بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ سفرة الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَزَيّ…
ترجمة الباب: بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ سفرة الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ
أحاديث الباب: 7544، 7545، 7546، 7547، 7548، 7549
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَاهِرُ) أَيِ الْحَاذِقُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا جَوْدَةُ التِّلَاوَةِ مَعَ حُسْنِ الْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ سَفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالَ: مَعَ السَّفَرَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِلْأَكْثَرِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّفَرَةِ الْكَتَبَةُ جَمْعُ سَافِرٍ مِثْلُ كَاتِبٍ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَهُمْ هُنَا الَّذِينَ يَنْقُلُونَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَوُصِفُوا بِالْكِرَامِ أَيِ الْمُكَرَّمِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَرَرَةُ أَيِ الْمُطِيعِينَ الْمُطَهَّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ تَقَدَّمَ مُسْنَدًا فِي التَّفْسِيرِ لَكِنْ بِلَفْظِ: مَثَلَ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَأَخْرَجَهُ
مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ مِنْ طَرِيقِ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمَاهِرُ: الْحَاذِقُ وَأَصْلُهُ الْحِذْقُ بِالسِّبَاحَةِ؛ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَالْمُرَادُ بِالْمَهَارَةِ بِالْقُرْآنِ جَوْدَةُ الْحِفْظِ وَجَوْدَةُ التِّلَاوَةِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا يَسَّرَهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ مِثْلَهَا فِي الْحِفْظِ وَالدَّرَجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بِهَذَا، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْإفْرَادِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَعَ لَنَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ عُثْمَانَ بْنِ السَّمَّاكِ وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ الْمَدُّ وَالتَّرْتِيلُ وَالْمَهَارَةُ فِي الْقُرْآنِ جَوْدَةُ التِّلَاوَةِ بِجَوْدَةِ الْحِفْظِ فَلَا يَتَلَعْثَمُ وَلَا يَتَشَكَّكُ وَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ سَهْلَةً بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَسَّرَهُ عَلَى الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ قَالَ: وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِأَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ إِلَى أَنَّ الْمَاهِرَ بِالْقُرْآنِ هُوَ الْحَافِظُ لَهُ مَعَ حُسْنِ الصَّوْتِ بِهِ وَالْجَهْرِ بِهِ بِصَوْتٍ مُطْرِبٍ بِحَيْثُ يَلْتَذُّ سَامِعُهُ انْتَهَى.
وَالَّذِي قَصَدَهُ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَ كَوْنِ التِّلَاوَةِ فِعْلَ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا يَدْخُلُهَا التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِينُ وَالتَّطْرِيبُ، وَقَدْ يَقَعُ بِأَضْدَادِ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى الْمُرَادِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: ظَنَّ الشَّارِحُ أَنَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ جَوَازُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِتَحْسِينِ الصَّوْتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصْفِ التِّلَاوَةِ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّرْجِيعِ وَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَمُقَارَنَةِ الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ كَقَوْلِ عَائِشَةَ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ فَكُلُّ ذَلِكَ يُحَقِّقُ أَنَّ التِّلَاوَةَ فِعْلُ الْقَارِئِ، وَتَتَّصِفُ بِمَا تَتَّصِفُ بِهِ الْأَفْعَالُ وَيَتَعَلَّقُ بِالظُّرُوفِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ: زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَعَلَّقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ سَمِعَ أَبَا مُوسَى يَقْرَأُ فَقَالَ: كَأَنَّ هَذَا مِنْ أَصْوَاتِ آلِ دَاوُدَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا رَيْبَ فِي تَخْلِيقِ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَنِدَائِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ كَانَ يَمُدُّ مَدًّا، وَحَدِيثَ قُطْبَةَ بْنَ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَصْوَاتَ الْخَلْقِ وَقِرَاءَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا أَحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَزْيَنُ وَأَحْلَى وَأَرْتَلُ وَأَمْهَرُ وَأَمَدُّ وَغَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ وَيَزِيدُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ الْهَادِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَشَايِخِهِ وَفِيهِ: وَلَكِنْ وَاللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَلَكِنِّي وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا، هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ مَعَ شَرْحِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ
قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا
كَلامَ اللَّهِ﴾ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ، وَذَكَرَهُ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ثُمَّ قَالَ: فَبَيَّنَتْ ﵂ أَنَّ الْإِنْذَارَ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّ النَّاسَ يَتْلُونَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةَ آيَاتٍ فِيهَا ذِكْرُ التِّلَاوَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَبَيَّنَ ﷾ أَنَّ التِّلَاوَةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃، وَأَنَّ الْوَحْيَ مِنَ اللَّهِ ﷾.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ.
قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ وَالتِّينِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتِّينِ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَمُرَادُهُ مِنْهُ هُنَا بَيَانُ اخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ جِهَةِ النَّغَمِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ وَمُرَادُهُ مِنْهُ هُنَا بَيَانُ اخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ بِالْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ وَمُرَادُهُ مِنْهُ هُنَا بَيَانُ اخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ بِالرَّفْعِ وَالْخَفْضِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّ رَفْعَ الْأَصْوَاتِ بِالْقُرْآنِ أَحَقُّ بِالشَّهَادَةِ لَهُ وَأَوْلَى.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّيْبِيُّ، وَأُمُّهُ هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمُنِيرِ، وَمِنْهُ يَظْهَرُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.