كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَم…

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الاعتصام بالسنة حديث 7349

ترجمة الباب: بَاب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ

أحاديث الباب: 7349

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ) أَمَّا الْآيَةُ فَلَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِمَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ الْهُدَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِثْلَ الْجُعْلِ الْقَرِيبِ الَّذِي اخْتَصَصْنَاكُمْ فِيهِ بِالْهِدَايَةِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْآيَةِ وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَحَاصِلُ مَا فِي الْآيَةِ الِامْتِنَانُ بِالْهِدَايَةِ وَالْعَدَالَةِ، وَأَمَّا

قَوْلُهُ: وَمَا أَمَرَ إِلَى آخِرِهِ فَمُطَابَقَتُهُ لِحَدِيثِ الْبَابِ خَفِيَّةٌ، وَكَأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْعَدَالَةُ لَمَّا كَانَتْ تَعُمُّ الْجَمِيعَ لِظَاهِرِ الْخِطَابِ، أَشَارَ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، أَوْ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَهْلِ لَيْسُوا عُدُولًا وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَعُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَوْ نُسِبَ إِلَى الْعِلْمِ فَهِيَ نِسْبَةٌ صُورِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَفِيهِ وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِنَّ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَالْجِهادُ وَالْهِجْرَةُ وَالْجَمَاعَةُ؛ فَإِنَّ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، وَفِي خُطْبَةِ عُمَرَ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي خَطَبَهَا بِالْجَابِيَةِ: عَلَيْكُمْ

بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ وَفِيهِ: وَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُرَادُ الْبَابِ الْحَضُّ عَلَى الِاعْتِصَامِ بِالْجَمَاعَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَشَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةُ، وَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ هَذِهِ الصِّفَةُ بِقَوْلِهِ: وَسَطًا وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ، وَالْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ كُلِّ عَصْرٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ مُتَابَعَةَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ، وَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْآيَةُ الَّتِي تَرْجَمَ بِهَا احْتَجَّ

بِهَا أَهْلُ الْأُصُولِ؛ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ عُدِّلُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أَيْ: عُدُولًا ; وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ عُصِمُوا مِنَ الْخَطَأِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) قَالَ الْأَعْمَشُ: هُوَ بِحَذْفِ قَالَ الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى

قَوْلِهِ: أَبُو أُسَامَةَ وَالْقَائِلُ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ، وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ بِالْعَنْعَنَةِ، وَهَذَا مُقْتَضَى صَنِيعِ صَاحِبِ الْأَطْرَافِ، وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فَجَزَمَ بِأَنَّ رِوَايَةَ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَسْعُودٍ الرَّاوِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَحْدَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ وَحْدَهُ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، وَذَكَرَهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ بِلَا وَاسِطَةٍ انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ بُنْدَارٍ وَقَالَ: إِنَّهُ مُخْتَصَرٌ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُطَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ مَقْرُونَةً بِرِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِ جَرِيرٍ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَخُصُّ قَوْمَ نُوحٍ بَلْ تَعُمُّ الْأُمَمَ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.