بَاب يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَاقِلًا
أحاديث الباب: 7191
قَوْلُهُ: (بَابُ يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَاقِلًا) أَيْ كَاتِبُ الْحُكْمِ وَغَيْرُهُ.
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قِصَّتِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، لِزَيْدٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَسَّرَ اللِّخَافَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِالْخَزَفِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا فَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهَا هُنَاكَ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَقْلَ أَصْلُ الْخِلَالِ الْمَحْمُودَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ زَيْدًا بِأَكْثَرَ مِنَ الْعَقْلِ وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِائْتِمَانِهِ وَرَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ذَكَرَ عَقِبَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبَ الْوَحْيَ
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْ ثَمَّ اكْتَفَى بِوَصْفِهِ بِالْعَقْلِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَثْبُتْ أَمَانَتُهُ وَكِفَايَتُهُ وَعَقْلُهُ لَمَا اسْتَكْتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْوَحْيَ وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِالْعَقْلِ وَعَدَمِ الِاتِّهَامِ دُونَ مَا عَدَاهُمَا إِشَارَةً إِلَى اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ لَهُ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ لَا نَتَّهِمُكُ مَعَ قَوْلِهِ عَاقِلٌ، لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْكِفَايَةِ وَالْأَمَانَةِ فَكَمْ مِنْ بَارِعٍ فِي الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وُجِدَتْ مِنْهُ الْخِيَانَةُ قَالَ وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْكَاتِبِ لِلسُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَأَنَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ بِأَمْرٍ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غ يْرِهِ إِذَا وَقَعَ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَكْتَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ، فَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ إِلَى الْمُلُوكِ فَبَلَغَ مِنْ أَمَانَتِهِ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَكْتُبَ وَيَخْتِمَ وَلَا يَقْرَؤُهُ، ثُمَّ اسْتَكْتَبَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ، وَيَكْتُبُ إِلَى الْمُلُوكِ، وَكَانَ إِذَا غَابَا كَتَبَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَكَتَبَ لَهُ أَيْضًا أَحْيَانًا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنْ طَرِيقِ عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ اسْتَكْتَبَ نَصْرَانِيًّا فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ وَقَرَأَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الْآيَةَ.
فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَاللَّهِ مَا تَوَلَّيْتُهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَكْتُبُ فَقَالَ: أَمَا وَجَدْتَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَنْ يَكْتُبُ لَا تُدْنِهِمْ إِذْ أَقْصَاهُمُ اللَّهُ، وَلَا تَأْتَمِنْهُمْ إِذْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ، وَلَا تُعِزَّهُمْ بَعْدَ أَنْ ذَلَّهُمُ اللَّه.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.