بَاب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً
أحاديث الباب: 7142، 7143، 7144، 7145
قَوْلُهُ: بَابُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِإِمَامٍ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً) إِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ لِكُلِّ أَمِيرٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا لِأَنَّ مَحَلَّ الْأَمْرِ بِطَاعَةِ الْأَمِيرِ أَنْ يَكُونَ مُؤَمَّرًا مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ. وَذَكَرَ فِيهِ أربعة أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ، وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِ شُعْبَةَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ.
قَوْلُهُ (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا بِأَنْ أُمِّرَ إِمَارَةً عَامَّةً عَلَى الْبَلَدِ مَثَلًا أَوْ وَلِيَ فِيهَا وِلَايَةً خَاصَّةً كَالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ أَوْ مُبَاشَرَةِ الْحَرْبِ، فَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مَنْ يَجْتَمِعُ لَهُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ وَمَنْ يَخْتَصُّ بِبَعْضِهَا.
قَوْلُهُ (حَبَشِيٌّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَمَضَى فِي الصَّلَاةِ فِي بَابِ إِمَامَةِ الْعَبْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ بِلَفْظِ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ وَفِيهِ بَعْدَ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الرَّبَذَةِ فَإِذَا عَبْدٌ يَؤُمُّهُمْ فَذَهَبَ يَتَأَخَّرُ لِأَجْلِ أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَوْصَانِي خَلِيلِي فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَظَهَرَتْ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ أَبِي ذَرٍّ بِالْأَمْرِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ عُمُومًا ; وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) وَاحِدَةُ الزَّبِيبِ الْمَأْكُولِ الْمَعْرُوفِ الْكَائِنِ مِنَ الْعِنَبِ إِذَا جَفَّ، وَإِنَّمَا شَبَّهَ رَأْسَ الْحَبَشِيِّ بِالزَّبِيبَةِ لِتَجَمُّعِهَا وَلِكَوْنِ شَعْرِهِ أَسْوَدَ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ فِي الْحَقَارَةِ وَبَشَاعَةِ الصُّورَةِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: قَوْلُهُ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعْمَلُ لِلْعَبْدِ إِلَّا إِمَامٌ قُرَشِيٌّ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي الْعَبِيدِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى عَبْدًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا لَوْ تَغَلَّبَ عَبْدٌ حَقِيقَةً بِطَرِيقِ الشَّوْكَةِ، فَإِنَّ طَاعَتَهُ تَجِبُ إِخْمَادًا لِلْفِتْنَةِ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ إِذَا اسْتَعْمَلَ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ عَلَى إِمَارَةِ بَلَدٍ مَثَلًا وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ يَكُونُ هُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِمَا لَا يَقَعُ فِي الْوُجُودِ، يَعْنِي وَهَذَا مِنْ ذَاكَ أَطْلَقَ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ مُبَالَغَةً فِي الْأَمْرٍ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ شَرْعًا أَنْ
يَلِيَ ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (حَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَالْجَعْدُ هُوَ أَبُو عُثْمَانَ، وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا السَّنَدِ فِي أَوَائِلِ الْفِتَنِ.
قَوْلُهُ (يَرْوِيهِ) هُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنِ الْجَعْدِ وَتَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ هُنَاكَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ صَحَابِيٌّ هُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ) هَذَا يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ مِنَ الْأَمْرِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ، وَمِنَ الصَّبْرِ عَلَى مَا يَقَعُ مِنَ الْأَمِيرِ مِمَّا يُكْرَهُ، وَالْوَعِيدُ عَلَى مُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ) أَيْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ بَلْ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: لَا طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ. وَعِنْدَهُ وَعِنْدَ الْبَزَّارِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ لَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي هَذَا الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُبَادَةَ فِي الْأَمْرِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ وَهُوَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالْكُفْرِ إِجْمَاعًا فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الْقِيَامُ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ الثَّوَابُ، وَمَنْ دَاهَنَ فِعْلَيْهِ الْإِثْمُ، وَمَنْ عَجَزَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ. قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ السُّلَمِيُّ، وَعَلِيٌّ هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ وَالْجَوَابُ عَمَّنْ غَلَّطَ رَاوِيهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ: (فَأَوْقِدُوا نَارًا) كَذَا وَقَعَ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي وَالْأَحْكَامِ أَنَّ أَمِيرَهُمْ غَضِبَ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا.
وَقَوْلُهُ: قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا بِالتَّخْفِيفِ وَجَاءَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّثْقِيلِ إِنَّهَا بِمَعْنَى إِلَّا وَقَوْلُهُ خَمَدَتْ بِالْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِكَسْرِ الْمِيمِ ولَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ. قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. قَالَ: وَمَعْنَى خَمَدَتْ سَكَنَ لَهَبُهَا وَإِنْ لَمْ يُطْفَأْ جَمْرُهَا، فَإِنْ طُفِئَ قِيلَ هَمَدَتْ. وَقَوْلُهُ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُرِيدُ تِلْكَ النَّارَ لِأَنَّهُمْ يَمُوتُونَ بِتَحْرِيقِهَا فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَحْيَاءً، قَالَ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّارِ نَارَ جَهَنَّمَ وَلَا أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ قَالَ: وَهَذَا مِنَ الْمَعَارِيضِ الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَةٌ، يُرِيدُ أَنَّهُ سِيقَ مَسَاقَ الزَّجْرِ وَالتَّخْوِيفِ لِيَفْهَمَ السَّامِعُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خُلِّدَ فِي النَّارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّخْوِيفُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهَاتٌ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي وَكَذَا قَوْلُهُ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهُ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ فِي
قَوْلِهِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ دُخُولَهُمُ النَّارَ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا أَشَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ طَاعَةَ الْأَمِيرِ وَاجِبَةٌ، وَمَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِذَا شَقَّ عَلَيْكُمْ دُخُولُ هَذِهِ النَّارِ فَكَيْفَ بِالنَّارِ الْكُبْرَى، وَكَأَنَّ قَصْدَهُ أَنَّهُ لَوْ رَأَى مِنْهُمُ الْجِدَّ فِي وُلُوجِهَا لَمَنَعَهُمْ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.