بَاب الرَّجْمِ بِالْمُصَلَّى
أحاديث الباب: 6820
قوله: فَصَلَّى عَلَيْهِ يَصِحُّ أم لا؟ قَالَ: رَوَاهُ مَعْمَرٌ قِيلَ لَهُ: هل رَوَاهُ غَيْرُ مَعْمَرٍ؟ قَالَ لَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الرَّجْمِ بِالْمُصَلَّى) أَيْ عِنْدَهُ وَالْمُرَادُ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي عِنْدَهُ الْعِيدَ وَالْجَنَائِزَ، وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ كَعِيَاضٍ مِنْ
قَوْلِهِ: بِالْمُصَلَّى أَنَّ الرَّجْمَ وَقَعَ دَاخِلَهُ، وَقَالَ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُصَلَّى لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ
الْمَسْجِدِ إِذْ لَوْ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ لَاجْتُنِبَ الرَّجْمُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ التَّلْوِيثُ مِنَ الْمَرْجُومِ خِلَافًا لِمَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ أَنَّ الْمُصَلَّى يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لَمْ يُوقَفْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الرَّجْمَ وَقَعَ عِنْدَهُ لَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَلَاطِ، وَأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ.
وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: أَنَّهُمَا رُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ قُرْبَ الْمَسْجِدِ وَبِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَمْرُ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ حَتَّى الْحُيَّضِ فِي الْعِيدِ إِلَى الْمُصَلَّى وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمُرَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ مُصَلَّى الْعِيدِ وَغَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا يَكُونُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْمَسْجِدِ لَهُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي رَجْمِ هَذَا بِالْمُصَلَّى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ وَالْأَعْيَادِ إِذَا لَمْ يُوقَفْ مَسْجِدًا لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ لَاجْتُنِبَ فِيهِ مَا يُجْتَنَبُ فِي الْمَسْجِدِ.
قُلْتُ: وَهُوَ كَلَامُ عِيَاضٍ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْهُ سِوَى التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنِي، وَلِلنَّسَفِيِّ: مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ: (فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى) لَيْسَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بِالْمُصَلَّى، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ بِلَفْظِ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا) أَيْ ذَكَرَهُ بِجَمِيلٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَهُ: فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، فَلَبِثُوا ثَلَاثًا ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ.
وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَيْضًا: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ، قَالَ: يَعْنِي يَتَنَعَّمُ، كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: فَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتَخَضْخَضُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، وَفِي حَدِيثِ اللَّجْلَاجِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: وَلَا تَقُلْ لَهُ خَبِيثٌ، لَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْفَيْل عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: لَا تَشْتُمْهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ: قَدْ غُفِرَ لَهُ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّى عَلَيْهِ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَخَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَقَالُوا فِي آخِرِهِ: وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ: رَوَاهُ ثَمَانِيَةُ أَنْفُسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَلَمْ يَذْكُرُوا قَوْلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ.
قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ الْجَارُودِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، زَادَ النَّسَائِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَنُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيِّ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُلْكِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الدَّبَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الصَّغَانِيِّ فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ أَنْفُسٍ خَالَفُوا مَحْمُودًا مِنْهُمْ مَنْ سَكَتَ عَنِ الزِّيَادَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِنَفْيِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقُلْ يُونُسُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَصَلَّى عَلَيْهِ) أَمَّا رِوَايَةُ يُونُسَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ ﵀ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَلَفْظُهُ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مَقْرُونَةً بِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ، وَسَاقَهُ إِسْحَاقُ شَيْخُ مُسْلِمٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: وَصَلَّى عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (سُئِلَ أَبُو عَبْدِ
اللَّهِ: هَلْ
قَوْلُهُ: فَصَلَّى عَلَيْهِ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ قَالَ: رَوَاهُ مَعْمَرٌ، قِيلَ لَهُ: هَلْ رَوَاهُ غَيْرُ مَعْمَرٍ؟ قَالَ: لَا) وَقَعَ هَذَا الْكَلَامُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ، وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّ مَعْمَرًا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَعَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِهَا إِنَّمَا هُوَ مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ الْحُفَّاظِ فَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، لَكِنْ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَوِيَتْ عِنْدَهُ رِوَايَةُ مَحْمُودٍ بِالشَّوَاهِدِ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا وَهُوَ فِي السُّنَنِ لِأَبِي قُرَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ.
فَهَذَا الْخَبَرُ يَجْمَعُ الِاخْتِلَافَ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ النَّفْيِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ حِينَ رُجِمَ، وَرِوَايَةُ الْإِثْبَاتِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَكَذَا طَرِيقُ الْجَمْعِ؛ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَاعِزٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَيَتَأَيَّدُ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْجُهَنِيَّةِ الَّتِي زَنَتْ وَرُجِمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ لَوَسِعَتْهُمْ.
وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ قَوْلَ مَنْ حَمَلَ الصَّلَاةَ فِي الْخَبَرِ عَلَى الدُّعَاءِ، ثُمَّ قَالَ: فِي قِصَّةِ الْجُهَنِيَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَوْهِينِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، قَالَ: وَكَذَا أَجَابَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ فَاسِدٌ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهِ وَلَا اضْطِرَارَ هُنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى مَاعِزٍ، قَالَ: وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ عَنْ صَلَاتِهِ عَلَى الْغَامِدِيَّةِ لِكَوْنِهَا عَرَفَتْ حُكْمَ الْحَدِّ وَمَاعِزٌ إِنَّمَا جَاءَ مُسْتَفْهِمًا، قَالَ: وَهُوَ جَوَابٌ وَاهٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ قَتَلَهُ غَضَبًا لِلَّهِ وَصَلَاتُهُ رَحْمَةٌ فَتَنَافَيَا، قَالَ: وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الْغَضَبَ انْتَهَى، قَالَ: وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ بَاقٍ، وَالْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ: أَنَّ الْإِمَامَ حَيْثُ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَحْدُودِ كَانَ رَدْعًا لِغَيْرِهِ.
قُلْتُ: وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: وَحَيْثُ صَلَّى عَلَيْهِ يَكُونُ هُنَاكَ قَرِينَةٌ لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى الرَّدْعِ فَيَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِالرَّجْمِ وَلَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ يُغَسِّلُونَهُ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ؛ رَدْعًا لِأَهْلِ الْمَعَاصِي إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلِئَلَّا يَجْتَرِئَ النَّاسُ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِ.
وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَرْجُومِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَا يُصَلَّى عَلَى الْمَرْجُومِ وَلَا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَعَنْ قَتَادَةَ لَا يُصَلَّى عَلَى الْمَوْلُودِ مِنَ الزِّنَا، وَأَطْلَقَ عِيَاضٌ فَقَالَ: لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي وَالْمَقْتُولِينَ فِي الْحُدُودِ وَإِنْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُحَارِبِينَ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ فِي الْمَيِّتَةِ مِنْ نِفَاسِ الزِّنَا وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، قَالَ: وَحَدِيثُ الْبَابِ فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.