كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب مِيرَاثُ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب كفارات الأيمان الأحاديث 6741–6742

أحاديث الباب: 6741، 6742

ﷺ: النِّصْفُ لِلْابْنَةِ، وَالنِّصْفُ لِلْأُخْتِ، ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ: قَضَى فِينَا، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَخَوَاتِ عَصَبَةُ الْبَنَاتِ، فَيَرِثْنَ مَا فَضَلَ عَنِ الْبَنَاتِ، فَمَنْ لَمْ يُخَلِّفْ إِلَّا بِنْتًا وَأُخْتًا، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ الْبَاقِي عَلَى مَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَإِنْ خَلَّفَ بِنْتَيْنِ وَأُخْتًا فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ، وَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأُخْتًا وَبِنْتَ ابْنٍ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ، وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّ الْبَنَاتِ لَا يَرِثْنَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَمَا بَقِيَ لِلْعَصَبَةِ، وَلَيْسَ لِلْأُخْتِ شَيْءٌ، وَكَذَا لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَلِلْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ كَمَا مَضَى، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ رُدَّ الْفَضْلُ عَلَى الْبِنْتِ أَوِ الْبَنَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ.

قَالَ: وَلَمْ يُوَافِقِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ. قَالَ: وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ عَدَمَ الْوَلَدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ إِنَّمَا جُعِلَ شَرْطًا فِي فَرْضِهَا الَّذِي تَقَاسَمَ بِهِ الْوَرَثَةُ لَا فِي تَوْرِيثِهَا مُطْلَقًا، فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ سَقَطَ الْفَرْضُ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ تَرِثَ بِمَعْنًى

آخَرَ كَمَا شُرِطَ فِي مِيرَاثِ الْأَخِ مِنْ أُخْتِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ، وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَرِثُهَا مَعَ الْبِنْتِ، وَهُوَ كَمَا جُعِلَ النِّصْفُ فِي مِيرَاثِ الزَّوْجِ شَرْطًا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ مَعَ الْبِنْتِ فَيَأْخُذَ نِصْفَ النِّصْفِ بِالْفَرْضِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ بِالتَّعْصِيبِ إِنْ كَانَ ابْنَ عَمٍّ مَثَلًا، فَكَذَلِكَ الْأُخْتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَسْوَدُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَهُوَ خَالُ إِبْرَاهِيمَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ: قَضَى فِينَا وَلَمْ يَذْكُرْ: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ شُعْبَةُ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ الْأَعْمَشُ وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَعْمَشَ رَوَى الْحَدِيثَ أَوَّلًا بِإِثْبَاتِ

قَوْلِهِ: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمَرَّةً بِدُونِهَا فَيَكُونُ مَوْقُوفًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بَعْد قَالَ الْقَاسِمُ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: قَضَى بِذَلِكَ مُعَاذٌ فِينَا.

قُلْتُ: وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ مِيرَاثِ الْبَنَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ فَذَكَرَهُ وَسِيَاقُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي أَمَّرَهُ عَلَى الْيَمَنِ كَمَا مَضَى صَرِيحًا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ عَنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ مُعَاذًا وَرِثَ فَذَكَرَهُ، وَزَادَ هُوَ بِالْيَمَنِ وَنَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ، ولِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَسْوَدِ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذٌ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ بِاخْتِصَارٍ. وَهَذَا أَصْرَحُ مَا وَجَدْتُ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو قَيْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ وَشَرْحُ حَدِيثِهِ قَبْلَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، وَفِيهِ قِصَّةُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ هُنَا أَوْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ شَكٌّ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ أَثْبَتُوا الزِّيَادَةَ؛ فَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ: سَأَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُرَادُهُ بِالْقَضَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الْفُتْيَا؛ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا وَلَا أَمِيرًا.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.