كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ؛ لِقَوْلِه…

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الرقاق الأحاديث 6419–6421

ترجمة الباب: بَاب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ؛ لِقَوْلِهِ تعالى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

أحاديث الباب: 6419، 6420، 6421

قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ لِقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ قَوْلُهُ لِقولِهِ - تَعَالَى -، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ يَعْنِي الشَّيْبَ وَثَبَتَ قَوْلُهُ يَعْنِي الشَّيْبَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِيهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّيْبُ لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي سِنِّ الْكُهُولَةِ فَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ عَلَامَةٌ لِمُفَارَقَةِ سِنِّ الصِّبَى الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ اللَّهْوِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: الْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.

وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمُرَادِ بِالتَّعْمِيرِ فِي الْآيَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾.

وَالثَّانِي: سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَلَا الْآيَةَ، وَرُوَاتُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا ابْنَ خُثَيْمٍ فَهُوَ صَدُوقٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ.

وَالثَّالِثُ: سَبْعُونَ سَنَةً أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، فَقَالَ: نَزَلَتْ تَعْيِيرًا لِأَبْنَاءِ السَّبْعِينَ. وَفِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ مَيْمُونٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

الرَّابِعُ: سِتُّونَ وَتَمَسَّكَ قَائِلُهُ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَوَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَهُ.

الْخَامِسُ: التَّرَدُّدُ بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَنْ عُمِّرَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَنْ بَلَغَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمُحَمَّدٌ الْغِفَارِيُّ هُوَ ابْنُ مَعْنٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ كَمَا اخْتُلِفَ عَلَى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فِي لَفْظِهِ.

وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا حَدِيثُ مُعْتَرَكِ الْمَنَايَا مَا بَيْنَ سِتِّينَ وَسَبْعِينَ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَشَيْخُهُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ آخَرُ، وَذَكَرْتُ أَنَّ عُمَرَ مُدَلِّسٌ وَأَنَّهُ أَوْرَدَهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَبَيَّنْتُ عُذْرَ الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُصَرَّحٍ فِيهِ بِالسَّمَاعِ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِنَحْوِهِ وَهَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ هُوَ مَعْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيُّ فَهِيَ مُتَابَعَةٌ قَوِيَّةٌ لِعُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ

أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ وَوَقَعَ لِشَيْخِهِ فِيهِ وَهَمٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَيَانِهِ.

قَوْلُهُ (أَعْذَرَ اللَّهُ) الْإِعْذَارُ إِزَالَةُ الْعُذْرِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِذَارٌ كَأَنْ يَقُولَ لَوْ مُدَّ لِي فِي الْأَجَلِ لَفَعَلْتُ مَا أُمِرْتُ بِهِ يُقَالُ أَعْذَرَ إِلَيْهِ إِذَا بَلَّغَهُ أَقْصَى الْغَايَةِ فِي الْعُذْرِ وَمَكَّنَهُ مِنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا بِالْعُمُرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالطَّاعَةُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَنِسْبَةُ الْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ مَجَازِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ لِلْعَبْدِ سَبَبًا فِي الِاعْتِذَارِ يَتَمَسَّكُ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا بَعْدَ حُجَّةٍ.

قَوْلُهُ (أَخَّرَ أَجَلَهُ) يَعْنِي أَطَالَهُ (حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى يَبْلُغَ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ (تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ، وَابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ) أَمَّا مُتَابَعَةُ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ فَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَا أَخْرَجَهُ الْحُفَّاظُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَخَالَفَهُمْ هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ فَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَإِدْخَالُهُ بَيْنَ سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ رَجُلًا مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وَأَمَّا طَرِيقُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا كَانَتِ السِّتُّونَ حَدًّا لِهَذَا؛ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنَ الْمُعْتَرَكِ وَهِيَ سِنُّ الْإِنَابَةِ وَالْخُشُوعِ وَتَرَقُّبِ الْمَنِيَّةِ. فَهَذَا إِعْذَارٌ بَعْدَ إِعْذَارٍ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ حَتَّى نَقَلَهُمْ مِنْ حَالَةِ الْجَهْلِ إِلَى حَالَةِ الْعِلْمِ ثُمَّ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ وَإِنْ كَانُوا فُطِرُوا عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ لَكِنَّهُمْ أُمِرُوا بِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ لِيَمَتثَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اسْتِكْمَالَ السِّتِّينَ مَظِنَّةٌ لِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ.

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْأَسْنَانُ أَرْبَعَةٌ سِنُّ الطُّفُولِيَّةِ ثُمَّ الشَّبَابِ ثُمَّ الْكُهُولَةِ ثُمَّ الشَّيْخُوخَةِ وَهِيَ آخِرُ الْأَسْنَانِ، وَغَالِبُ مَا يَكُونُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ ضَعْفُ الْقُوَّةِ بِالنَّقْصِ وَالِانْحِطَاطِ فَيَنْبَغِي لَهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى مِنَ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ. وَقَدِ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ سِتِّينَ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقَصِّرًا وَيَأْثَمُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، بِخِلَافِ مَا دُونَ ذَلِكَ.

قَالَ لَّيْثُ: عن يُونُسُ - وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ.

الحديث الثاني:

قَوْلُهُ (يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ.

قَوْلُهُ (لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الْأَمَلِ) الْمُرَادُ بِالْأَمَلِ هُنَا مَحَبَّةُ طُولِ الْعُمُرِ فَسَّرَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَسَمَّاهُ شَابًّا إِشَارَةً إِلَى قُوَّةِ اسْتِحْكَامِ حُبِّهِ لِلْمَالِ أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُطَابَقَةِ.

قَوْلُهُ (قَالَ لَيْثٌ، عَنْ يُونُسَ، وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ) هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ (وَأَبُو سَلَمَةَ) يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَمَّا رِوَايَةُ لَيْثٍ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمَالِ بَدَلَ الدُّنْيَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ طُولِ الْحَيَاةِ وَحُبِّ الْمَالِ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ

مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ سَوَاءً. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّلِهِ. قَالَ: إِنَّ ابْنَ آدَمَ يَضْعُفُ جِسْمُهُ وَيَنْحَلُ لَحْمُهُ مِنَ الْكِبَرِ وَقَلْبُهُ شَابٌّ.

الحديث الثالث:

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَلِغَيْرِهِ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ.

قَوْلُهُ (يَكْبَرُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَطْعَنُ فِي السِّنِّ.

قَوْلُهُ (وَيَكْبُرَ مَعَهُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَعْظُمُ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ وَيَجُوزُ الضَّمُّ فِي الْأَوَّلِ تَعْبِيرًا عَنِ الْكَثْرَةِ وَهِيَ كَثْرَةُ عَدَدِ السِّنِينَ بِالْعِظَمِ.

قَوْلُهُ (اثْنَتَانِ حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمُرِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مَعَهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ. قَالَهُ بِمِثْلِهِ.

قَوْلُهُ (رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ بِنِحْوِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بِلَفْظِ: يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ.

وَفَائِدَةُ هَذَا التَّعْلِيقِ دَفْعُ تَوَهُّمِ الِانْقِطَاعِ فِيهِ لِكَوْنِ قَتَادَةَ مُدَلِّسًا وَقَدْ عَنْعَنَهُ، لَكِنَّ شُعْبَةَ لَا يُحَدِّثُ عَنِ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا بِمَا عَلِمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي سَمَاعِهِمْ فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ التَّصْرِيحُ وَالْعَنْعَنَةُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَلْبَ الشَّيْخِ كَامِلُ الْحُبِّ لِلْمَالِ مُتَحَكِّمٌ فِي ذَلِكَ كَاحْتِكَامِ قُوَّةِ الشَّابِّ فِي شَبَابِهِ. هَذَا صَوَابُهُ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَا يُرْتَضَى. وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِ عِيَاضٍ: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مِنَ الْمُطَابَقَةِ وَبَدِيعِ الْكَلَامِ الْغَايَةُ. وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تَكُونَ آمَالُهُ وَحِرْصُهُ عَلَى الدُّنْيَا قَدْ بَلِيَتْ عَلَى بَلَاءِ جِسْمِهِ إِذَا انْقَضَى عُمُرُهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا انْتِظَارُ الْمَوْتِ، فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِضِدِّهِ ذُمَّ.

قَالَ: وَالتَّعْبِيرُ بِالشَّابِّ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ الْحِرْصِ وَبُعْدِ الْأَمَلِ الَّذِي هُوَ فِي الشَّبَابِ أَكْثَرُ وَبِهِمْ أَلْيَقُ لِكَثْرَةِ الرَّجَاءِ عَادَةً عِنْدَهُمْ فِي طُولِ أَعْمَارِهِمْ وَدَوَامِ اسْتِمْتَاعِهِمْ وَلَذَّاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الْحِرْصِ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحِكْمَةُ فِي التَّخْصِيصِ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَى ابْنِ آدَمَ نَفْسُهُ فَهُوَ رَاغِبٌ فِي بَقَائِهَا فَأَحَبَّ لِذَلِكَ طُولَ الْعُمُرِ وَأَحَبَّ الْمَالَ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي دَوَامِ الصِّحَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا غَالِبًا طُولُ الْعُمُرِ فَكُلَّمَا أَحَسَّ بِقُرْبِ نَفَادِ ذَلِكَ اشْتَدَّ حُبُّهُ لَهُ وَرَغْبَتُهُ فِي دَوَامِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ فِي الْقَلْبِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهَا فِي الرَّأْسِ. قَالَهُ الْمَازِرِيُّ.

(تَنْبِيه): قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبَابِ السَّابِقِ يَعْنِي بَابٌ فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ.

قُلْتُ: وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْبَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ لَيْسَتْ بِبَعِيدَةٍ وَلَا خَفِيَّةٍ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.