بَاب الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ
أحاديث الباب: 6326، 6327، 6328
قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ) ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، وَهِيَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قُبَيْلَ السَّلَامِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، (عَنْ يَزِيدَ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ، وَأَبُو الْخَيْرِ هُوَ مَرْثَدٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﷺ) وَصَلَهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَلَفْظُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي شَرْحِهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ دَلَالَةٌ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْإِيمَانِ إِلَّا مَنْ لَا خَطِيئَةَ لَهُ وَلَا ذَنْبَ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ مِنْ أَكْبَرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْجَوَامِعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَافَ بِغَايَةِ التَّقْصِيرِ وَطَلَبِ غَايَةِ الْإِنْعَامِ، فَالْمَغْفِرَةُ سَتْرُ الذُّنُوبِ وَمَحْوُهَا، وَالرَّحْمَةُ إِيصَالُ
الْخَيْرَاتِ، فَفِي الْأَوَّلِ طَلَبُ الزَّحْزَحَةِ عَنِ النَّارِ، وَفِي الثَّانِي طَلَبُ إِدْخَالِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جمرة مَا مُلَخَّصُهُ: فِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَفَضْلُ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ عَلَى غَيْرِهِ، وَطَلَبُ التَّعْلِيمِ مِنَ الْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ يَعْرِفُ ذَلِكَ النَّوْعَ، وَخَصَّ الدُّعَاءَ بِالصَّلَاةِ لِقولِهِ ﷺ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ يَنْظُرُ فِي عِبَادَتِهِ إِلَى الْأَرْفَعِ فَيَتَسَبَّبُ فِي تَحْصِيلِهِ، وَفِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا الدُّعَاءَ إِشَارَةٌ إِلَى إِيثَارِ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ حَالِ أَبِي بَكْرٍ وَإِيثَارِهِ أَمْرَ الْآخِرَةِ، قَالَ: وَفِي
قَوْلِهِ: ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أَيْ: لَيْسَ لِي حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، فَهِيَ حَالَةُ افْتِقَارٍ، فَأَشْبَهَ حَالَ الْمُضْطَرِّ الْمَوْعُودِ بِالْإِجَابَةِ، وَفِيهِ هَضْمُ النَّفْسِ وَالِاعْتِرَافُ بِالتَّقْصِيرِ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ هُنَاكَ.
وحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ، وَعَلِيٌّ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَأَخَذَ التَّرْجَمَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ نَصٌّ فِي الْمَطْلُوبِ، وَالثَّانِيَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الدَّاعِي، وَهِيَ عَدَمُ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فَيُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ، وَقِيلَ لِلدُّعَاءِ: صَلَاةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِدَعَاءٍ فَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ بَعْضِ الشَّيْءِ بِاسْمِ كُلِّهِ، وَالثَّالِثَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّنَاءِ الدُّعَاءُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ بِلَفْظِ: فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ.
وَوَرَدَ الْأَمْرُ أَيْضًا بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمُحَصَّلُ مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو فِيهَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ سِتَّةُ مَوَاطِنَ: الْأَوَّلُ: عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ فَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ الْحَدِيثُ، الثَّانِي: فِي الِاعْتِدَالِ؛ فَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - بَعْدَ
قَوْلِهِ: مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ -: اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ. الثَّالِثُ: فِي الرُّكُوعِ؛ وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ: كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَخْرَجَاهُ. الرَّابِعُ: فِي السُّجُودِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَدْعُو فِيهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِيهِ. الْخَامِسُ: بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. السَّادِسُ: فِي التَّشَهُّدِ، وَسَيَأْتِي، وَكَانَ أَيْضًا يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ، وَفِي حَالِ الْقِرَاءَةِ: إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.