كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ الْفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب مواقيت الصلاة الأحاديث 590–593

أحاديث الباب: 590، 591، 592، 593

وَقَالَ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ

قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (ابْنَ أُخْتِي) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ، وَحَرْفُ النِّدَاءِ مَحْذُوفٌ، وَأَثْبَتَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنَ الْفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: ظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ إِخْرَاجُ النَّافِلَةِ الْمَحْضَةِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا. وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ السِّرَّ فِي قَوْلِهِ وَنَحْوِهَا لِيُدْخِلَ فِيهِ رَوَاتِبَ النَّوَافِلِ وَغَيْرَهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ كُرَيْبٌ) يَعْنِي مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إِلَخْ) وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ الْمُؤَلِّفُ مُطَوَّلًا فِي بَابِ إِذَا كَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: (وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ) وَقَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (مَا تَرَكَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: (مَا كَانَ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَنْ أَجَازَ التَّنَفُّلَ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَقْصِدِ الصَّلَاةَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ، وَأَجَابَ عَنْهُ مَنْ أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ مِنَ الرَّوَاتِبِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَأَمَّا مُوَاظَبَتُهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عَنْهَا، وَيُوَاصِلُ وَيَنْهَى عَنِ الْوِصَالِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَفِي آخِرِهِ: وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ ﷺ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ لَا أَصْلُ الْقَضَاءِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا؟ فَقَالَ: لَا. فَهِيَ

رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ (١).

قُلْتُ: أَخْرَجَهَا الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ بِهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وَفِيهِ مَا فِيهِ.

(فَائِدَةٌ): رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ أَتَاهُ مَالٌ فَشَغَلَهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

قُلْتُ: وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ شَاهِدٌ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، لَكِنْ ظَاهِرُ

قَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ يَعُدْ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عِلْمِ الرَّاوِي فَإِنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَكَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي بَيْتِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهَا: لَمْ أَرَهُ يُصَلِّيهِمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّيهِمَا إِلَّا فِي بَيْتِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا أُمِّ سَلَمَةَ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ فِي رِوَايَةِ الْأُولَى وَكَانَ لَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثْقِلَ عَلَى أُمَّتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ) فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا: فَقَالَ لَهَا أَيْمَنُ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنْهُمَا وَيَضْرِبُ عَلَيْهِمَا فَقَالَتْ: صَدَقْتَ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا فَذَكَرَهُ. وَالْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ كُرَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ إِذَا كَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَفِي أَوَّلِ الْخَبَرِ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالُوا: اقْرَأْ ﵍ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُمَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ كُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ عَلَيْهِمَا، الْحَدِيثَ.

(تَنْبِيهٌ): رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ سَبَبَ ضَرْبِ عُمَرَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: إِنَّ عُمَرَ رَآهُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ رَكَعَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَضَرَبَهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَالَ عُمَرُ: يَا زَيْدُ لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهُمَا النَّاسُ سُلَّمًا إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى اللَّيْلِ لَمْ أَضْرِبْ فِيهِمَا فَلَعَلَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِنَّمَا هُوَ خَشْيَةَ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَ وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَجَوَابِ عُمَرَ لَهُ وَفِيهِ: وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ حَتَّى يَمُرُّوا بِالسَّاعَةِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ لِمَا قُلْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.