كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ، وَتَحْنِيكِهِ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب العقيقة الأحاديث 5467–5470

أحاديث الباب: 5467، 5468، 5469، 5470

قَوْلُهُ (بَابُ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَسَقَطَ لَفْظَةُ عَنْ لِلْجُمْهُورِ، وَلِلنَّسَفِيِّ وَإِنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ بَدَلَ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ وَرِوَايَةُ الْفَرَبْرِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ قَضِيَّةَ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ تُعَيِّنُ التَّسْمِيَةَ غَدَاةَ الْوِلَادَةِ سَوَاءٌ حَصَلَتِ الْعَقِيقَةُ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْلُودِ أَمْ لَا، وَهَذَا يُعَارِضُهُ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي التَّسْمِيَةِ يَوْمَ السَّابِعِ كَمَا

سَأَذْكُرُهَا قَرِيبًا.

وَقَضِيَّةُ رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ أَنَّ مَنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَعُقَّ عَنْهُ لَا يُؤَخِّرُ تَسْمِيَتَهُ إِلَى السَّابِعِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ عُقَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَمَنْ أُرِيدَ أَنْ يُعَقَّ عَنْهُ تُؤَخَّرُ تَسْمِيَتُهُ إِلَى السَّابِعِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى، وَهُوَ جَمْعٌ لَطِيفٌ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ (وَتَحْنِيكُهُ) أَيْ غَدَاةَ يُولَدُ، وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ بِالْغَدَاةِ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْخَبَرِ. وَالْغَدَاةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ تَأْخِيرُ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْوَاقِعِ، فَلَوِ اتَّفَقَ أَنَّهَا تَلِدُ نِصْفَ النَّهَارِ مَثَلًا فَوَقْتُ التَّحْنِيكِ وَالتَّسْمِيَةِ بَعْدَ الْغَدَاةِ قَطْعًا. وَالتَّحْنِيكُ مَضْغُ الشَّيْءِ وَوَضْعُهُ فِي فَمِ الصَّبِيِّ وَدَلْكُ حَنَكِهِ بِهِ، يُصْنَعُ ذَلِكَ بِالصَّبِيِّ لِيَتَمَرَّنَّ عَلَى الْأَكْلِ وَيَقْوَى عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي عِنْدَ التَّحْنِيكِ أَنْ يَفْتَحَ فَاهُ حَتَّى يَنْزِلَ جَوْفَهُ، وَأَوْلَاهُ التَّمْرُ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ تَمْرٌ فَرُطَبٌ، وَإِلَّا فَشَيْءٌ حُلْوٌ، وَعَسَلُ النَّحْلِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَا لَمْ تَمَسَّهُ نَارٌ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِمَّا يُفْطِرُ الصَّائِمُ عَلَيْهِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْعَقِيقَةَ لَا تَجِبُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ أَفْرَطَ فِيهَا رَجُلَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا هِيَ بِدْعَةٌ وَالْآخَرُ قَالَ وَاجِبَةٌ ; وَأَشَارَ بِقَائِلِ الْوُجُوبِ إِلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْوُجُوبَ إِلَّا عَنْ دَاوُدَ فَقَالَ: لَعَلَّ الشَّافِعِيَّ أَرَادَ غَيْرَ دَاوُدَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلَعَلَّ هُنَا مَعْنَى بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ مَاتَ وَلِدَاوُدَ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَقَدْ جَاءَ الْوُجُوبُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.

وَالَّذِي نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَنْكَرَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً وَخَالَفُوا فِي ذَلِكَ الْآثَارَ الثَّابِتَةَ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ سَئلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ وَقَالَ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسَكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ عَنْ عَمِّهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنِ الْعَقِيقَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعَرَفَةَ فَذَكَرَهُ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَيَقْوَى أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ بِالْآخَرِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا أَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا عَنْ هَذَيْنِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِنَفْيِ مَشْرُوعِيَّتِهَا. بَلْ آخِرُ الْحَدِيثِ يُثْبِتُهَا، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ تُسَمَّى نَسِيكَةً أَوْ ذَبِيحَةً وَأَنْ لَا تُسَمَّى عَقِيقَةً. وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ قَالَ كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الْعِشَاءِ عَتَمَةً، وَادَّعَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ نَسْخَهَا بِحَدِيثِ نَسَخَ الْأَضْحَى كُلُّ ذَبْحٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.

وَأَمَّا نَفْيُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وُرُودَهُ فَمُتَعَقَّبٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهَا فَيَبْقَى الِاسْتِحْبَابُ كَمَا جَاءَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَيْضًا لِمَنْ نَفَى مَشْرُوعِيَّتَهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ (بُرَيْدٌ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ مُصَغَّرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ يَرْوِي عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ نَسْخُهُ (١) وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ لِمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ لَهُ رِوَايَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ وَلَيْسَ ذَلِكَ تَنَاقُضًا مِنْهُ بَلْ هُوَ بِالِاعْتِبَارَيْنِ.

قَوْلُهُ (فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ فَحَنَّكَهُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ أَسْرَعَ بِإِحْضَارِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ تَحْنِيكَهُ كَانَ بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ،

فَفِيهِ تَعْجِيلُ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ وَلَا يُنْتَظَرُ بِهَا إِلَى السَّابِعِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ فِي حَدِيثِ الْعَقِيقَةِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُسَمَّى فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ هَلْ هِيَ يُسَمَّى أَوْ يُدْمَى بِالدَّالِ بَدَلَ السِّينِ؟ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالسَّابِعِ مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِابْنِهِ حِينَ وُلِدَ فَسَمَّاهُ الْمُنْذِرَ وَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ قَالَ وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ الْحَدِيثَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ حِينَ يُولَدُ أَصَحُّ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي تَسْمِيَتِهِ يَوْمَ السَّابِعِ.

قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ فِيهِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ، فَفِي الْبَزَّارِ وَصَحِيحَيِ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ يَوْمَ السَّابِعِ وَسَمَّاهُمَا وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ لِسَابِعِهِ وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَتَعَيَّنُ فِيهَا أَنَّ الْجَدَّ هُوَ الصَّحَابِيُّ لَا جَدَّ عَمْرٍو الْحَقِيقِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَبْعَةٌ مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّبِيِّ: يَوْمَ السَّابِعِ يُسَمَّى وَيُخْتَنُ وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى وَتُثْقَبُ أُذُنُهُ وَيُعَقُّ عَنْهُ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُلَطَّخُ مِنْ عَقِيقَتِهِ وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِ شَعْرِ رَأْسِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ لِلْمَوْلُودِ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى وَسَمُّوهُ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ (يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ) تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّحْنِيكِ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَا قِيلَ فِي اسْمِهِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

حَدِيثُ أَسْمَاءَ فِي وِلَادَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي سَنَدِهِ. وَوَقَعَ فِي آخِرِهِ هُنَا مِنَ الزِّيَادَةِ فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلَا يُولَدُ لَكُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ أَنَّ وِلَادَتَهُ كَانَتْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَلَدَتْهُ بِقُبَاءٍ ثُمَّ أَتَتْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرِدْ أَنَّهَا أَحْضَرَتْهُ لَهُ بِقُبَاءٍ، وَإِنَّمَا حَمَلَتْهُ مِنْ قُبَاءٍ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ أَقَامُوا لَا يُولَدُ لَهُمْ، فَقَالُوا: سَحَرَتْنَا يَهُودٌ، حَتَّى كَثُرَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالَةُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً حَتَّى ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ تَكْبِيرًا وَقَوْلُهُ وَأَنَا مُتِمٌّ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ شَارَفْتُ تَمَامَ الْحَمْلِ، وَقَوْلُهُ تَفَلَ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ فَاءٍ وَبَرَّكَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.

حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ وَالِدُ إِسْحَاقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْجَنَائِزِ وَفِي الزَّكَاةِ.

قَوْلُهُ (أَعْرَسْتُمْ)؟ هُوَ اسْتِفْهَامٌ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ وَالْعَيْنُ سَاكِنَةٌ، أَعْرَسَ الرَّجُلُ إِذَا بَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْوَطْءِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْبِنَاءَ غَالِبًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَعَرَّسْتُمْ؟ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ التَّعْرِيسَ النُّزُولَ، وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ أَنَّهَا لُغَةٌ، يُقَالُ أَعْرَسَ وَعَرَّسَ إِذَا دَخَلَ بِأَهْلِهِ وَالْأَفْصَحُ أَعْرَسَ قَالَهُ ابْنُ التَّيْمِيِّ فِي كِتَابِ التَّحْرِيرِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَهُ.

قَوْلُهُ (قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ احْفَظْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ احْفَظِيهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - إِلَى أَنْ قَالَ - وَسَاقَ الْحَدِيثَ) هَذَا يُوهِمُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَهُمَا مُخْتَلِفٌ، وَهُمَا حَدِيثَانِ عِنْدَ ابْنِ عَوْنٍ: أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ وَهُوَ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَالثَّانِي عِنْدَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَفْظُهُ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِي: يَا أَنَسُ، انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ

فَلَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَغَدَوْتُ بِهِ فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اخْتَلَفَا فِي أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَيْ أَنَّ ابْنَ أَبِي عَدِيٍّ، وَيَزِيدَ بْنَ هَارُونَ اخْتَلَفَا فِي شَيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ وَهَذَا يَتَعَيَّنُ أَنَّهُمَا عِنْدَهُ حَدِيثٌ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ. وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَعْدٍ وَافَقَ ابْنَ أَبِي عَدِيٍّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ لَكِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ مُسَمًّى بَلْ قَالَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.