كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الثُّومِ وَالْبُقُولِ. فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الأطعمة الأحاديث 5451–5452

أحاديث الباب: 5451، 5452

قَوْلُهُ (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الثُّومِ وَالْبُقُولِ) أَيِ الَّتِي لَهَا رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَهَلِ النَّهْيُ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِآكْلِهَا عَلَى التَّعْمِيمِ أَوْ عَلَى مَنْ أَكَلَ النِّيءَ مِنْهَا دُونَ الْمَطْبُوخِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ. أَحَدُهَا.

قَوْلُهُ (فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي الثُّومَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا وَوَقَعَ لَنَا سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ: فَأَخْرَجَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَمْرٍو هُوَ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنْهُ قَالَ جَاءَ قَوْمٌ مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَكَلُوا الثُّومَ وَالْبَصَلَ، فَكَأَنَّهُ تَأَذَّى بِذَلِكَ فَقَالَ فَذَكَرَهُ. ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ أَوْرَدَهُ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ.

ثَالِثُهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا هُنَاكَ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا وَفِيهِ ذِكْرُ الْبُقُولِ، وَلَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ هُنَا. وَقَوْلُهُ كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مِنْ لَا تُنَاجِي فِيهِ إِبَاحَتُهُ لِغَيْرِهِ ﷺ حَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِهِ الْمُصَلُّونَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. وَاخْتُلِفَ فِي حَقِّهِ هُوَ ﷺ فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَكْرُوهً لِعُمُومِ قَوْلِهِ لَا فِي جَوَابِ أَحَرَامٌ هُوَ؟ وَحُجَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمَنْعِ مُلَازَمَةُ الْمَلَكِ لَهُ ﷺ، وَأَنَّهُ مَا مِنْ سَاعَةٍ إِلَّا وَمَلَكٌ يُمْكِنُ أَنْ يَلْقَاهُ فِيهَا.

وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانُ جَوَازِ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، إِلَّا أَنَّ مَنْ أَكَلَهَا يُكْرَهُ لَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ أَلْحَقَ بِهَا الْفُقَهَاءُ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْبُقُولِ الْكَرِيهَةِ الرَّائِحَةِ كَالْفُجْلِ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ فِي الطَّبَرَانِيِّ وَقَيَّدَهُ عِيَاضٌ بِمَنْ يَتَجَشَّى مِنْهُ، وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الشَّدِيدَ الْبَخْرِ وَمَنْ بِهِ جِرَاحَةٌ تَفُوحُ رَائِحَتُهَا، وَاخْتُلِفَ فِي الْكَرَاهِيَةِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَعَنِ الظَّاهِرِيَّةِ التَّحْرِيمُ، وَأَغْرَبَ عِيَاضٌ فَنَقَلَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ تَحْرِيمُ تَنَاوُلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا تَمْنَعُ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ حَزْمٍ بِالْجَوَازِ، ثُمَّ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ حُضُورُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِهِ مِنْ غَيْرِهِ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.