بَاب الْبُكَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْبُكَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: الْبُكَاءُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ صِفَةُ الْعَارِفِينَ وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُسْتَحَبُّ الْبُكَاءُ مَعَ الْقِرَاءَةِ وَعِنْدَهَا، وَطَرِيقُ تَحْصِيلِهِ أَنْ يَحْضُرَ قَلْبَهُ الْحُزْنُ وَالْخَوْفُ بِتَأَمُّلِ مَا فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَالْوَثَائِقِ وَالْعُهُودِ ثُمَّ يَنْظُرُ تَقْصِيرَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ حُزْنٌ فَلْيَبْكِ عَلَى فَقْدِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَسَاقَ الْمَتْنَ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِ شَيْخِهِ صَدَقَةَ بْنِ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيِّ. وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ شَيْخِهِ مُسَدَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ.
وَعُرِفَ مِنْ هُنَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَعْمَشَ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسَمِعَ بَعْضَهُ مِنْ عَمْرِو ابْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي عند الْأَعْمَشِ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ
قَوْلِهِ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ إِلَى
قَوْلِهِ: أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَهُوَ عِنْدَ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ كما هُوَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَبْلُ بِبَابَيْنِ، وَتَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مُقْتَصِرًا عَلَى طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِ التَّفْصِيلِ الَّذِي فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْفِرْيَابِيِّ إِدْرَاجًا.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: عَنْ أَبِيهِ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى
قَوْلِهِ: عَنْ سُلَيْمَانَ وَهُوَ الْأَعْمَشُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، وَرِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْصُولَةٌ، وَرِوَايَةُ أَبِي الضُّحَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعَةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ، وَهَذَا أَشَدُّ انْقِطَاعًا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقَوْلُهُ: اقْرَأْ عَلَيَّ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: اقْرَأْ عَلَيَّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ الظَّفَرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ ﷺ فِي بَنِي ظَفَرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَرٍ وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمَرَ قَارِئًا فَقَرَأَ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَبَكَى حَتَّى ضَرَبَ لَحْيَاهُ وَوَجْنَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ، هَذَا عَلَى مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا يُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتُهُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالِهِمْ. فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ فَفِي هَذَا الْمُرْسَلِ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ ابْنِ فَضَالَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا بَكَى ﷺ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ هَذِهِ الْآيَةَ لِأَنَّهُ مَثَّلَ لِنَفْسِهِ أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّةَ الْحَالِ الدَّاعِيَةِ لَهُ إِلَى شَهَادَتِهِ لِأُمَّتِهِ بِالتَّصْدِيقِ وَسُؤَالِهِ الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ، وَهُوَ أَمْرٌ يَحِقُّ لَهُ طُولُ الْبُكَاءِ، انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ بَكَى رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِعَمَلِهِمْ وَعَمَلُهُمْ قَدْ لَا يَكُونُ مُسْتَقِيمًا فَقَدْ يُفْضِي إِلَى تَعْذِيبِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.