كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ أَبُو…

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب التفسير الأحاديث 4975–4983

ترجمة الباب: بَاب قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ أَبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدَدُهُ

أحاديث الباب: 4975، 4976، 4977، 4979، 4980، 4981، 4982، 4983

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ اللَّهُ الصَّمَدُ) ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدُ). وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ، فَعَلَى هَذَا هُوَ فَعَلٌ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدِ … بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ هُنَا، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ، وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، فَوَصَلَهُ بِذِكْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ: فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قُلْتُ: وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ، وَهُمَا مَشْهُورَانِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مِمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.

قَوْلُهُ: (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَذَّبَنِي عَبْدِي.

قَوْلُهُ: (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) ثَبَتَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَسَقَطَ بَقِيَّةُ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ وَكَذَا النَّسَفِيُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ بَنِي آدَمَ، وَهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالدَّهْرِيَّةِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا مِنَ الْعَرَبِ أَيْضًا وَمِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

قَوْلُهُ: (أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ) كَذَا لَهُمْ بِحَذْفِ الْفَاءِ فِي جَوَابِ أَمَّا وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَنْ يَقُولَ: فَلْيُعِيدُنَا كَمَا بَدَأَنَا وَهِيَ مِنْ شَوَاهِدِ وُرُودِ صِيغَةِ أَفْعَلَ بِمَعْنَى التَّكْذِيبِ، وَمِثْلُهُ

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَلَيْسَ بِأَوَّلِ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ مِنْ إِعَادَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَفْظِ أَهْوَنَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى هَيِّنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْجُهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدُ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ وِزَانُ مَا قَبْلَهُ. وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَهُوَ الْتِفَاتٌ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَلَمْ يَكُنْ لِي بَعْدَ قَوْلِهِ لَمْ يَلِدْ وَهُوَ الْتِفَاتٌ أَيْضًا. وَلَمَّا كَانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ قَدِيمًا مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ، وَكَانَ كُلُّ مَوْلُودٍ مُحْدَثًا انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ، وَلَمَّا كَانَ لَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يُجَانِسُهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ صَاحِبَةٌ فَتَتَوَالَدُ انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا بَدَلَ

قَوْلِهِ: وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ إِلَخْ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الصَّحَابِيَّيْنِ حَفِظَ فِي آخِرِهِ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ نَسَبَ غَيْرَهُ إِلَى أَمْرٍ لَا يَلِيقُ بِهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَتَمَهُ، وَسَبَقَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ تَقْرِيرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (كُفُوًا وَكَفِيئًا وَكِفَاءً وَاحِدٌ) أَيْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَالْأَوَّلُ بِضَمَّتَيْنِ، وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ الْهَمْزَةُ، وَالثَّالِثُ بِكَسْرِ الْكَافِ ثُمَّ الْمَدِّ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كُفُوًا يُثَقَّلُ وَيُخَفَّفُ، أَيْ يُضَمُّ وَيُسَكَّنُ.

قُلْتُ: وَبِالضَّمِّ قَرَأَ الْجُمْهُورُ، وَفَتَحَ حَفْصٌ الْوَاوَ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَبِالسُّكُونِ قَرَأَ حَمْزَةُ وَبِهَمْزٍ فِي الْوَصْلِ وَيُبَدِّلُهَا وَاوًا فِي الْوَقْفِ، وَمُرَادُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهَا لُغَاتٌ لَا قِرَاءَاتٌ نَعَمْ رُوِيَ فِي الشَّوَاذِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ بِكَسْرٍ ثُمَّ مَدٍّ، وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ مِثْلُهُ لَكِنْ بِغَيْرِ مَدٍّ. وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُمَاثِلْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يُشَاكِلْهُ، أَوِ الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ نَفْيًا لِلْمُصَاحَبَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لِنَفْيِ الْمُكَافَأَةِ عَنْ ذَاتِهِ تَعَالَى.

١١٣ - سُورَةُ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَلَقُ الصُّبْحُ. وَ ﴿غَاسِقٍ﴾ اللَّيْلُ. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ غُرُوبُ الشَّمْسِ

يُقَالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ. ﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَقَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَتُسَمَّى أَيْضًا سُورَةُ الْفَلَقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَلَقُ الصُّبْحُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (وَغَاسِقٍ: اللَّيْلِ، إِذَا وَقَبَ: غُرُوبُ الشَّمْسِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ: اللَّيْلُ إِذَا دَخَلَ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَلَفْظُهُ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ الْفَلَقُ الصُّبْحُ، وَهُوَ أَبْيَنُ مِنْ فَلَقِ الصُّبْحِ وَفَرَقَ الصُّبْحِ.

قَوْلُهُ: (وَقَبَ: إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّ الْغَاسِقَ: الْقَمَرُ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، قَالَ: هَذَا الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.

قَوْلُهُ: (عَاصِمٌ) هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ. الْقَارِئُ وَهُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ.

قَوْلُهُ: (وَعَبْدَةُ) هُوَ ابْنُ أَبِي لُبَابَةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَةُ خَفِيفَةٌ وَضُمَّ أَوَّلُهُ.

قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَيُشْرَحُ ثَمَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١١٤ - سُورَةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ إِذَا وُلِدَ خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ﷿ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللَّهَ ثَبَتَ عَلَى قَلْبِهِ.كِتَابٍ قَبْلَهُ

٤٩٧٨،﴾

(كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ). ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ وَكِتَابُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ فَضَائِلُ الْقُرْآنِ حَسْبُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ نَزَلَ الْوَحْيُ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ نَزَلَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَلِغَيْرِهِ كَيْفَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي كَيْفِيَّةِ نُزُولِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فِي أَوَّلِ الصَّحِيحِ، وَكَذَا أَوَّلُ نُزُولِهِ فِي حَدِيثِهَا أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِأَوَّلِ مَا نَزَلَ أَخَصُّ مِنَ التَّعْبِيرِ بِأَوَّلِ مَا بُدِئَ لِأَنَّ النُّزُولَ يَقْتَضِي وُجُودَ مَنْ يَنْزِلُ بِهِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ مَجِيءُ الْمَلَكِ لَهُ عِيَانًا مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْوَحْيِ، وَإِيحَاءُ الْوَحْيِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِإِنْزَالٍ أَوْ بِإِلْهَامٍ، سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ فِي النَّوْمِ أَوْ فِي الْيَقَظَةِ. وَأَمَّا انْتِزَاعُ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَسَأَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ شَرْحِ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ، الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ) تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْأَثَرِ، وَذِكْرُ مَنْ وَصَلَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ التَّرْجَمَةِ وَهِيَ فَضَائِلُ الْقُرْآنِ، وَتَوْجِيهُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْقُرْآنَ تَضَمَّنَ تَصْدِيقَ جَمِيعِ مَا أُنْزِلَ قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي فِيهِ إِمَّا مُقَرِّرَةٌ لِمَا سَبَقَ وَإِمَّا نَاسِخَةٌ - وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي إِثْبَاتَ الْمَنْسُوخِ - وَإِمَّا مُجَدِّدَةٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُجَدِّدِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ.

الْأَوَّلُ وَالثَّانِي حَدِيثَا ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ مَعًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ شَيْبَانَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا بِإِبْهَامِ الْمَعْدُودِ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ ﷺ عَاشَ سِتِّينَ سَنَةً إِذَا انْضَمَّ إِلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي أَلْغَى الْكَسْرَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عَاشَ سِتِّينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ فِي السِّنِينَ، وَإِمَّا عَلَى جَبْرِ الْكَسْرِ فِي الشُّهُورِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ، فَكَانَتْ مُدَّةُ وَحْيِ الْمَنَامِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِلَى أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ فَتْرَةٍ، ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ، ثُمَّ تَوَاتَرَ وَتَتَابَعَ، فَكَانَتْ مُدَّةُ تَوَاتُرِهِ وَتَتَابُعِهِ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ فَتْرَةٍ، أَوْ أَنَّهُ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ قُرِنَ بِهِ مِيكَائِيلُ أَوْ إِسْرَافِيلُ، فَكَانَ يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَةَ أَوِ الشَّيْءَ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا جَاءَ مِنْ وَجْهٍ مُرْسَلٍ، ثُمَّ قُرِنَ بِهِ جِبْرِيلُ فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ بِمَكَّةَ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ نَزَلَ مُفَرَّقًا وَلَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً وَقَرَأَ: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ الْآيَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ فُرِّقَ فِي السِّنِينَ وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمِ أَيْضًا وُضِعَ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَجَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَوَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ لِلْحَلِيمِيِّ: أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُنَزِّلُ مِنْهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَدْرَ مَا يَنْزِلُ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي تَلِيهَا، إِلَى أَنْ أَنْزَلَهُ كُلَّهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَهَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ وَمُنْقَطِعَةٍ أَيْضًا.

وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُفَرَّقًا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ

أَنَّهُ نَزَلَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ الْحَفَظَةَ نَجَّمَتْهُ عَلَى جِبْرِيلَ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَأَنَّ جِبْرِيلَ نَجَّمَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي عِشْرِينَ سَنَةً، وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَمَضَانَ بِمَا يَنْزِلُ بِهِ عَلَيْهِ فِي طُولِ السَّنَةِ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الشَّعْبِيُّ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ أَنَّ أَوَّلَ نُزُولِ جِبْرِيلَ بِالْقُرْآنِ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْقُرْآنِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي ذَلِكَ حِكْمَتَانِ: إِحْدَاهُمَا تَعَاهُدُهُ، وَالْأُخْرَى تَبْقِيَةُ مَا لَمْ يُنْسَخْ مِنْهُ وَرَفْعُ مَا نُسِخَ، فَكَانَ رَمَضَانُ ظَرْفًا لِإِنْزَالِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَعَرْضًا وَأَحْكَامًا.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثِ عَشْرَةٍ خَلَتْ مِنْهُ، وَالزَّبُورُ لِثَمَانِ عَشْرَةٍ خَلَتْ مِنْهُ، وَالْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَهَذَا كُلُّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، فَأُنْزِلَ فِيهَا جُمْلَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُنْزِلَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ إِلَى الْأَرْضِ أَوَّلُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ كُلُّهُ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ خَاصَّةً، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ نَزَلَ كَثِيرٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزَاةٍ، وَلَكِنَّ الِاصْطِلَاحَ أَنَّ كُلَّ مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَهُوَ مَكِّيٌّ، وَمَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَهُوَ مَدَنِيٌّ، سَوَاءٌ نَزَلَ فِي الْبَلَدِ حَالَ الْإِقَامَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا حَالَ السَّفَرِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ.

الْحَدِيثُ الْثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ) فَاعِلُ قَالَ هُوَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ.

قَوْلُهُ: (أُنْبِئْتُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقَدْ عَيَّنَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي أَوَّلِهِ زِيَادَةٌ حَذَفَهَا الْبُخَارِيُّ عَمْدًا لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً وَلِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِالْبَابِ وَهِيَ: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: مَنْ هَذَا)؟ فَاعِلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَفْهَمَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنِ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُهُ هَلْ فَطِنَتْ لِكَوْنِهِ مَلَكًا أَوْ لَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ كَمَا قَالَ) يُرِيدُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي اللَّفْظِ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى فِي ذِهْنِهِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ الْمُحَدِّثِينَ لَهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: هَذَا السُّؤَالُ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ ذَهَابِ جِبْرِيلَ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ يُخَالِفُهُ. كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَا ادَّعَاهُ مِنَ الظُّهُورِ، بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ) أَيِ ابْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالْجَمَالِ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ غَالِبًا عَلَى صُورَتِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَامَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ قَامَ ذَاهِبًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا مَا ظَنَّتْهُ مِنْ أَنَّهُ دِحْيَةُ اكْتِفَاءً بِمَا سَيَقَعُ مِنْهُ فِي الْخُطْبَةِ مِمَّا يُوَضِّحُ لَهَا الْمَقْصُودَ.

قَوْلُهُ: (مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ) هَذَا كَلَامُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَيْمُنِ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ وَأَيْمُنِ مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ، وَفِيهَا لُغَاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ بِخَبَرِ جِبْرِيلَ أَوْ كَمَا قَالَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يُخْبِرُنَا خَبَرَنَا وَهُوَ تَصْحِيفٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا.

قُلْتُ: وَلَمْ أَرَ هذَا الْحَدِيثَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ فَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ. وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَلَى بَيَانِ هَذَا الْخَبَرِ فِي أَيِّ قِصَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي قِصَّةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَدْ وَقَعَ فِي دَلَائِلَ الْبَيْهَقِيِّ وَفِي

الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ يُكَلِّمُ رَجُلًا وَهُوَ رَاكِبٌ، فَلَمَّا دَخَلَ قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي كُنْتَ تُكَلِّمُهُ، قَالَ: بِمَنْ تُشَبِّهِينَهُ؟ قُلْتُ: بِدِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ أَمَرَنِي أَنْ أَمْضِيَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ، وَالْقَائِلُ هُوَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَقَوْلُهُ: فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ، أَيِ النَّهْدِيِّ الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِيهِ الِاسْتِفْسَارُ عَنِ اسْمِ مَنْ أُبْهِمَ مِنَ الرُّوَاةِ وَلَوْ كَانَ الَّذِي أُبْهِمَ ثِقَةً مُعْتَمَدًا، وَفَائِدَتُهُ احْتِمَالُ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَ السَّامِعِ كَذَلِكَ، فَفِي بَيَانِهِ رَفْعٌ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْمَلَكِ أَنْ يَتَصَوَّرَ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ. وَأَنَّ لَهُ هُوَ فِي ذَاتِهِ صُورَةً لَا يَسْتَطِيعُ الْآدَمِيُّ أَنْ يَرَاهُ فِيهَا لِضَعْفِ الْقُوَى الْبَشَرِيَّةِ إِلَّا مَنْ يَشَاءُ اللَّهُ أَنْ يُقَوِّيَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا كَانَ غَالِبُ مَا يَأْتِي جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا وَلَمْ يَرَ جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ وَجْهُ دُخُولِ حَدِيثِ أُسَامَةَ هَذَا فِي هَذَا الْبَابِ. قَالُوا: وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأُمِّ سَلَمَةَ، وَلِدِحْيَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ رَأَوْا جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ لَمَّا جَاءَ فَسَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ، وَلِأَنَّ اتِّفَاقَ الشَّبَهِ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ فَضِيلَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةً فِي حُسْنِ الصُّورَةِ حَسْبُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِابْنِ قَطَنٍ حِينَ قَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ فَقَالَ: أَيَضُرُّنِي شَبَهُهُ؟ قَالَ: لَا.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ كَيْسَانُ، وَقَدْ سَمِعَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ الْكَثِيرَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَقَعَ الْأَمْرَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَثَبُّتِ سَعِيدٍ وَتَحَرِّيهِ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ) هَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُعْجِزَةٍ تَقْتَضِي إِيمَانَ مَنْ شَاهَدَهَا بِصِدْقِهِ، وَلَا يَضُرُّهُ مَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمُعَانَدَةِ. (مِنَ الْآيَاتِ) أَيِ الْمُعْجِزَاتِ الْخَوَارِقِ.

قَوْلُهُ: (مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ) مَا مَوْصُولَةٌ وَقَعَتْ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِأُعْطِيَ، وَمِثْلُهُ مُبْتَدَأٌ، وَآمَنَ خَبَرُهُ، وَالْمِثْلُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ عَيْنُ الشَّيْءِ وَمَا يُسَاوِيهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ آيَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ شَأْنِ مَنْ يُشَاهِدُهَا مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ لِأَجْلِهَا، وَعَلَيْهِ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالنُّكْتَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِهَا تَضَمُّنُهَا مَعْنَى الْغَلَبَةِ، أَيْ يُؤْمِنُ بِذَلِكَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ عَنْ نَفْسِهِ، لَكِنْ قَدْ يَجْحَدُ فَيُعَانِدُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّاجِعُ إِلَى الْمَوْصُولِ ضَمِيرُ الْمَجْرُورِ فِي عَلَيْهِ وَهُوَ حَالٌ، أَيْ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ فِي التَّحَدِّي، وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ وَمَوْقِعُ الْمِثْلِ مَوْقِعُهُ مِنْ

قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أَيْ: عَلَى صِفَتِهِ مِنَ الْبَيَانِ وَعُلُوِّ الطَّبَقَةِ فِي الْبَلَاغَةِ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ آمَنَ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا ابْنُ قُرْقُولٍ أُومِنَ بِضَمِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ وَاوٍ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. قَالَ: وَكَتَبَهَا بَعْضُهُمْ بِالْيَاءِ الْأَخِيرَةِ بَدَلَ الْوَاوِ. وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ أَمِنَ بِغَيْرِ مَدٍّ مِنَ الْأَمَانِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ) أَيْ إِنَّ مُعْجِزَتِي الَّتِي تَحَدَّيْتُ بِهَا الْوَحْيُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ وَهُوَ الْقُرْآنُ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْجَازِ الْوَاضِحِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرُ مُعْجِزَاتِهِ فِيهِ، وَلَا أَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا أُوتِيَ مَنْ تَقَدَّمَهُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ الْمُعْجِزَةُ الْعُظْمَى الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ مُعْجِزَةً خَاصَّةً بِهِ لَمْ يُعْطَهَا بِعَيْنِهَا غَيْرُهُ تَحَدَّى بِهَا قَوْمَهُ، وَكَانَتْ مُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ تَقَعُ مُنَاسِبَةً لِحَالِ قَوْمِهِ كَمَا كَانَ السِّحْرُ فَاشِيًا عِنْدَ فِرْعَوْنَ، فَجَاءَهُ مُوسَى بِالْعَصَا عَلَى صُورَةِ مَا يَصْنَعُ السَّحَرَةُ لَكِنَّهَا تَلَقَّفَتْ مَا صَنَعُوا، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إِحْيَاءُ عِيسَى الْمَوْتَى وَإِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ لِكَوْنِ

الْأَطِبَّاءِ وَالْحُكَمَاءِ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، فَأَتَاهُمْ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ بِمَا لَمْ تَصِلْ قُدْرَتُهُمْ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْعَرَبُ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْغَايَةِ مِنَ الْبَلَاغَةِ جَاءَهُمْ بِالْقُرْآنِ الَّذِي تَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ لَا صُورَةً وَلَا حَقِيقَةً، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مِثْلٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا كَانَ مِثْلُهُ لِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ صُورَةً أَوْ حَقِيقَةً، وَالْقُرْآنُ لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، فَلِهَذَا أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ تَخْيِيلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مُعْجِزٌ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَتَخَيَّلُ مِنْهُ التَّشْبِيهَ بِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي مُعْجِزَاتِهِمْ مَا يَقْدِرُ السَّاحِرُ أَنْ يُخَيِّلَ شَبَهَهُ فَيَحْتَاجُ مَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا إِلَى نَظَرٍ، وَالنَّظَرُ عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ، فَقَدْ يُخْطِئُ النَّاظِرُ فَيَظُنُّ تَسَاوِيَهُمَا.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ انْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِ أَعْصَارِهِمْ فَلَمْ يُشَاهِدْهَا إِلَّا مَنْ حَضَرَهَا، وَمُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَخَرْقُهُ لِلْعَادَةِ فِي أُسْلُوبِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَإِخْبَارِهِ بِالْمَغِيبَاتِ، فَلَا يَمُرُّ عَصْرٌ مِنَ الْأَعْصَارِ إِلَّا وَيَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ، وَهَذَا أَقْوَى الْمُحْتَمَلَاتِ، وَتَكْمِيلُهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ الْمَاضِيَةَ كَانَتْ حِسِّيَّةً تُشَاهَدُ بِالْأَبْصَارِ كَنَاقَةِ صَالِحٍ وَعَصَا مُوسَى، وَمُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ تُشَاهَدُ بِالْبَصِيرَةِ، فَيَكُونُ مَنْ يَتْبَعُهُ لِأَجْلِهَا أَكْثَرُ، لِأَنَّ الَّذِي يُشَاهَدُ بِعَيْنِ الرَّأْسِ يَنْقَرِضُ بِانْقِرَاضِ مُشَاهِدِهِ، وَالَّذِي يُشَاهَدُ بِعَيْنِ الْعَقْلِ بَاقٍ يُشَاهِدُهُ كُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْأَوَّلِ مُسْتَمِرًّا.

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ نَظْمُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّ مُحَصَّلَهَا لَا يُنَافِي بَعْضُهُ بَعْضًا.

قَوْلُهُ: (فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رَتَّبَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ الْمُسْتَمِرَّةِ لِكَثْرَةِ فَائِدَتِهِ وَعُمُومِ نَفْعِهِ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الدَّعْوَةِ وَالْحُجَّةِ وَالْإِخْبَارِ بِمَا سَيَكُونُ، فَعَمَّ نَفْعُهُ مَنْ حَضَرَ، وَمَنْ غَابَ، وَمَنْ وُجِدَ، وَمَنْ سَيُوجَدُ، فَحَسُنَ تَرْتِيبُ الرَّجْوَى الْمَذْكُورَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذِهِ الرَّجْوَى قَدْ تَحَقَّقَتْ، فَإِنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَتَعَلَّقَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ بِالْوَحْيِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْمَلَكُ لَا بِالْمَنَامِ وَلَا بِالْإِلْهَامِ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: حُسْنُ تَأْلِيفِهِ وَالْتِئَامُ كَلِمِهِ مَعَ الْإِيجَازِ وَالْبَلَاغَةِ. ثَانِيهَا: صُورَةُ سِيَاقِهِ وَأُسْلُوبِهِ الْمُخَالِفِ لِأَسَالِيبِ كَلَامِ أَهْلِ الْبَلَاغَةِ مِنَ الْعَرَبِ نَظْمًا وَنَثْرًا حَتَّى حَارَتْ فِيهِ عُقُولُهُمْ وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِثْلِهِ مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ وَتَقْرِيعِهِ لَهُمْ عَلَى الْعَجْزِ عَنْهُ. ثَالِثُهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارِ عَمَّا مَضَى مِنْ أَحْوَالِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالشَّرَائِعِ الدَّاثِرَةِ مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ بَعْضَهُ إِلَّا النَّادِرُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. رَابِعُهَا: الْإِخْبَارُ بِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْكَوَائِنِ الَّتِي وَقَعَ بَعْضُهَا فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ.

وَمِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ آيَاتٌ وَرَدَتْ بِتَعْجِيزِ قَوْمٍ فِي قَضَايَا أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهَا فَعَجَزُوا عَنْهَا مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ، كَتَمَنِّي الْيَهُودِ الْمَوْتَ، وَمِنْهَا الرَّوْعَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِسَامِعِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ قَارِئَهُ لَا يَمَلُّ مِنْ تَرْدَادِهِ وَسَامِعَهُ لَا يَمُجُّهُ وَلَا يَزْدَادُ بِكَثْرَةِ التَّكْرَارِ إِلَّا طَرَاوَةً وَلَذَاذَةً. وَمِنْهَا أَنَّهُ آيَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تُعْدَمُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَمِنْهَا جَمْعُهُ لِعُلُومٍ وَمَعَارِفَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهَا وَلَا تَنْتَهِي فَوَائِدُهَا. اهـ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ، وَغَيْرِهِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ النَّاقِدُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدِ وَغَيْرِهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَوَقَعَ فِي الْأَطْرَافِ لِخَلَفٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ الْفَلَّاسُ وَرَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ وَإِنْ كَانُوا

مَعْرُوفِينَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّ النَّاقِدَ أَخَصُّ مِنْ غَيْرِهِ بِالرِّوَايَةِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، بَلْ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنَ ابْنِ شِهَابٍ وَأَقْدَمُ سَمَاعًا، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَدْ سَمِعَ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي تَصْرِيحُهُ بِتَحْدِيثِهِ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بَعْدَ بَابٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ الْوَحْيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ أَيْ أَكْثَرَ إِنْزَالَهُ قُرْبَ وَفَاتِهِ ﷺ وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوُفُودَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ كَثُرُوا وَكَثُرَ سُؤَالُهُمْ عَنِ الْأَحْكَامِ فَكَثُرَ النُّزُولُ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَوَقَعَ لِي سَبَبُ تَحْدِيثِ أَنَسٍ بِذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنِ الْإِمَامِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: هَلْ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ؟ قَالَ: أَكْثَرَ مَا كَانَ وَأَجَمَّهُ أَوْرَدَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ) أَيِ الزَّمَانُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ وَفَاتُهُ كَانَ نُزُولُ الْوَحْيِ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَزْمِنَةِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ) فِيهِ إِظْهَارُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْغَايَةُ فِي قَوْلِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ أَخِيرًا عَلَى خِلَافِ مَا وَقَعَ أَوَّلًا، فَإِنَّ الْوَحْيَ فِي أَوَّلِ الْبَعْثَةِ فَتَرَ فَتْرَةً ثُمَّ كَثُرَ، وَفِي أَثْنَاءِ النُّزُولِ بِمَكَّةَ لَمْ يَنْزِلْ مِنَ السُّوَرِ الطِّوَالِ إِلَّا الْقَلِيلُ، ثُمَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ نَزَلَتِ السُّوَرُ الطِّوَالُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى غَالِبِ الْأَحْكَامِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ الزَّمَنُ الْأَخِيرُ مِنَ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ أَكْثَرَ الْأَزْمِنَةِ نُزُولًا بِالسَّبَبِ الْمُتَقَدِّمِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ لِتَضَمُّنِهِ الْإِشَارَةَ إِلَى كَيْفِيَّةِ النُّزُولِ.

الْحَدِيثُ الْسَّادِسُ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ قَرِيبًا فِي سُورَةِ وَالضُّحَى، وَوَجْهُ إِيرَادِهِ فِي هَذَا الْبَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ النُّزُولِ أَحْيَانًا إِنَّمَا كَانَ يَقَعُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ لَا لِقَصْدِ تَرْكِهِ أَصْلًا، فَكَانَ نُزُولُهُ عَلَى أَنْحَاءٍ شَتَّى: تَارَةً يَتَتَابَعُ، وَتَارَةً يَتَرَاخَى. وَفِي إِنْزَالِهِ مُفَرَّقًا وُجُوهٌ مِنَ الْحِكْمَةِ: مِنْهَا تَسْهِيلُ حِفْظِهِ لِأَنَّهُ لَوْ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ لَا يَقْرَأُ غَالِبُهُمْ وَلَا يَكْتُبُ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ. وَأَشَارَ ﷾ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلَى الْكُفَّارِ: وَقَالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ - أَيْ أَنْزَلْنَاهُ مُفَرَّقًا - ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمِنْهَا مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الشَّرَفِ لَهُ وَالْعِنَايَةِ بِهِ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ رَسُولِ رَبِّهِ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ بِأَحْكَامِ مَا يَقَعُ لَهُ وَأَجْوِبَةِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْحَوَادِثِ.

وَمِنْهَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْزِلَ مُفَرَّقًا، إِذْ لَوْ نَزَلَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَشَقَّ بَيَانُهَا عَادَةً. وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ أَنْ يَنْسَخَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا شَاءَ، فَكَانَ إِنْزَالُهُ مُفَرَّقًا لِيَنْفَصِلَ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْلَى مِنْ إِنْزَالِهِمَا مَعًا. وَقَدْ ضَبَطَ النَّقَلَةُ تَرْتِيبَ نُزُولِ السُّوَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي باب تأليف القرآن ولم يضبطوا من ترتيب نزول الآيات إلا قليلا، وقد تقدم في تفسير اقرأ باسم ربك أنها أول سورة نزلت، ومع ذلك فنزل من أولها أولا خمس آيات، ثم نزل باقيها بعد ذلك، وكذلك سورة المدثر التي نزلت بعدها نزل أولها أولا ثم نزل سائرها بعد. وأوضح من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الثلاثة، وصححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس عن عثمان قال: كان النبي ﷺ ينزل عليه الآيات فيقول: ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.