بَاب مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاتِهِ
أحاديث الباب: 4429، 4430، 4431، 4432، 4434، 4435، 4436، 4437، 4438، 4439، 4440، 4441، 4442، 4444، 4445، 4446، 4447، 4448، 4449، 4450، 4451، 4453، 4456، 4457، 4458، 4459، 4460، 4461، 4462
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذِهِ الْآيَةِ لِهَذَا الْبَابِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَابِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ مَرَضِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ فَكَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ كَمَا سَيَأْتِي. وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ لِأَبِي مَعْشَرٍ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَفِي السِّيرَةِ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَيْتِ رَيْحَانَةَ ; وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَقِيلَ: يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ مَرَضِهِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: بِزِيَادَةِ يَوْمٍ، وَقِيلَ: بِنَقْصِهِ. وَالْقَوْلَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَصَدَرَ بِالثَّانِي، وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَكَادَ يَكُونُ إِجْمَاعًا، لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ فِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْهُ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّيْثِ، وَالْخَوَارِزْمِيِّ، وَابْنِ زَبْرٍ: مَاتَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ أَبِي مِخْنَفٍ، وَالْكَلْبِيِّ: فِي ثَانِيهِ وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَتَنَزَّلُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّتِهِ ثَمَانِينَ يَوْمًا.
وَقِيلَ: أَحَدًا وَثَمَانِينَ، وَأَمَّا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّتِهِ تِسْعِينَ يَوْمًا أَوْ أَحَدًا وَتِسْعِينَ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَعْنِي كَوْنَهُ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَا الْحَجَّةِ كَانَ أَوَّلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَمَهْمَا فُرِضَتِ الشُّهُورُ الثَّلَاثَةُ تَوْامٌ أَوْ نَوَاقِصُ أَوْ بَعْضُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
وَأَجَابَ الْبَارِزِيُّ ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ بِاحْتِمَالِ وُقُوعِ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ كَوَامِلَ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ فَرَآهُ أَهْلُ مَكَّةَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَلَمْ يَرَهُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَحَصَلَتِ الْوَقْفَةُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرَّخُوا بِرُؤْيَةِ أَهْلِهَا فَكَانَ أَوَّلُ ذِي الْحَجَّةِ الْجُمُعَةَ وَآخِرُهُ السَّبْتَ، وَأَوَّلُ الْمُحَرَّمِ الْأَحَدَ وَآخِرُهُ الِاثْنَيْنِ، وَأَوَّلُ صَفَرٍ الثُّلَاثَاءَ وَآخِرُهُ الْأَرْبِعَاءَ، وَأَوَّلُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الْخَمِيسَ فَيَكُونُ ثَانِي عَشَرَهُ الِاثْنَيْنِ، وَهَذَا الْجَوَابُ بَعِيدٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ تَوَالِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَوَامِلَ، وَقَدْ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ صَفَرٌ نَاقِصًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرٍ السَّبْتَ إِلَّا إِنْ كَانَ ذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ نَاقِصَيْنِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ نَقْصُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ
مُتَوَالِيَةٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَاتَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ اثْنَانِ نَاقِصَيْنِ وَوَاحِدٌ كَامِلًا، وَلِهَذَا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ.
وَفِي الْمَغَازِي لِأَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ صَفَرٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ الْمُقْتَضِي لِأَنَّ أَوَّلَ صَفَرٍ كَانَ السَّبْتَ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ فَاشْتَكَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَيَرِدُ عَلَى هَذَا الْإِشْكَالِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرٍ الْأَحَدَ فيَكُونَ تَاسِعُ عِشْرِينِهِ الْأَرْبِعَاءَ؟ وَالْغَرَضُ أَنَّ ذَو الْحَجَّةِ أَوَّلُهُ الْخَمِيسُ، فَلَوْ فُرِضَ هُوَ وَالْمُحَرَّمُ كَامِلَيْنِ لَكَانَ أَوَّلُ صَفَرٍ الِاثْنَيْنِ، فَكَيْفَ يَتَأَخَّرُ إِلَى الْأَرْبِعَاءِ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، وَكَأَنَّ سَبَبَ غَلَطِ غَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَاتَ فِي ثَانِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَتَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ ثَانِي عَشَرَ، وَاسْتَمَرَّ الْوَهْمُ بِذَلِكَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ بِجَوَابٍ آخَرَ فَقَالَ. يُحْمَلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ أَيْ بِأَيَّامِهَا فَيَكُونُ مَوْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَيُفْرَضُ الشُّهُورُ كَوَامِلَ فَيَصِحُّ قَوْلُ الْجُمْهُورُ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا يُعَكِّرُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ زِيَادَةِ مُخَالَفَةِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي قَوْلِهِمْ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ فَإِنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهَا إِلَّا مُضِيَّ اللَّيَالِي، وَيَكُونُ مَا أُرِّخَ بِذَلِكَ وَاقِعًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) هِيَ وَالِدَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ) هُوَ مِنْ إِقَامَةِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: كَانَ عُمَرُ يَسْأَلُنِي مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ أَتَمَّ سِيَاقًا وَأَكْثَرَ فَوَائِدَ، وَأَطَلْنَا بِشَرْحِهِ عَلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ، وَتَقَدَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ مَا كَانَ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
لِجِبْرِيلَ: نَعَيْتَ إِلَيَّ نَفْسِي. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى.
٤٤٢٨ - وقال يُونُسُ: عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: (وَقَالَ يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَهَذَا قَدْ وَصَلَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَنْبَسَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ يُونُسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَالَ الْبَزَّارُ: تَفَرَّدَ بِهِ عَنْبَسَةُ، عَنْ يُونُسَ، أَيْ بِوَصْلِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ لَكِنَّهُ أَرْسَلَهُ، وَلَهُ شَاهِدَانِ مُرْسَلَانِ أَيْضًا أَخْرَجَهُمَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرَائِبُ الْحَدِيثِ لَهُ أَحَدُهُمَا: مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ وَالْآخَرُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَلِلْحَاكِمِ مَوْصُولٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مُبَشِّرٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ؟ فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ بِابْنِي إِلَّا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ بِخَيْبَرَ ; وَكَانَ ابْنُهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ مَاتَ، فَقَالَ: وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهَا، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ شَيْخِهِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ فِي آخِرِ ذَلِكَ: وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتَّى كَانَ وَجَعُهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ. وَجَعَلَ يَقُولُ: مَا زِلْتُ أَجِدُ أَلَمَ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُهَا بِخَيْبَرَ عِدَادًا حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَانَ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ وَتُوُفِّيَ شَهِيدًا انْتَهَى وَقَوْلُهُ: عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَكَذَا
قَوْلُهُ: وَتُوُفِّيَ شَهِيدًا وَقَوْلُهُ: مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ أَيْ أَحُسُّ الْأَلَمَ فِي جَوْفِي بِسَبَبِ الطَّعَامِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ نَقَصَ مِنْ لَذَّةِ ذَوْقِهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ.
وَقَوْلُهُ: أَوَانَ بِالْفَتْحِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْأَبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ بِالظَّهْرِ مُتَّصِلٌ بِالْقَلْبِ إِذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُقَالُ إِنَّ الْقَلْبَ مُتَّصِلٌ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ بِخَيْبَرَ فِي غَزْوِهِ خَيْبَرَ مُفَصَّلًا.كِتَابَ لاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِم"
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ
قَوْلُهُ: (يَوْمُ الْخَمِيسِ) هُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ عَكْسُهُ، وَقَوْلُهُ: وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ إِرَادَةِ تَفْخِيمِ الْأَمْرِ فِي الشِّدَّةِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْهُ، زَادَ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَّبَ دَمْعُهُ الْحَصَى وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُهَا عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ وَبُكَاءُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْتَمَلُ لِكَوْنِهِ تَذَكَّرَ وَفَاةَ رَسُولِ اللَّهِ فَتَجَدَّدَ لَهُ الْحُزْنُ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مَا فَاتَ فِي مُعْتَقَدِهِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ رَزِيَّةٌ، ثُمَّ بَالَغَ فِيهَا فَقَالَ: كُلَّ الرَّزِيَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ الْجَوَابُ عَمَّنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَعُمَرَ ﵁.
قَوْلُهُ: (اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ) زَادَ فِي الْجِهَادِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَضِهِ، كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَمَّا حُضِرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَفِي إِطْلَاقِ
ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (كِتَابًا) قِيلَ: هُوَ تَعْيِينُ الْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (لَنْ تَضِلُّوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تَضِلُّونَ وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ وَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ) هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: لَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ) بِهَمْزَةٍ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ: فَقَالُوا هَجَرَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَاكَ فَقَالُوا: هَجَرَ، هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعَادَ هَجَرَ مَرَّتَيْنِ. قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى أَهَجَرَ أَفَحَشَ، يُقَالُ: هَجَرَ الرَّجُلُ إِذَا هَذَى، وَأَهْجَرَ إِذَا أَفْحَشَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَطَالُوا، وَلَخَصَّهُ الْقُرْطُبِيُّ تَلْخِيصًا حَسَنًا ثُمَّ لَخَّصْتُهُ مِنْ كَلَامِهِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ هَجَرَ، الرَّاجِحُ فِيهِ إِثْبَاتُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَبِفَتَحَاتٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، قَالَ: وَلِبَعْضِهِمْ أَهُجْرًا بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمِرٍ أَيْ قَالَ: هُجْرًا، وَالْهُجْرُ بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ الْهَذَيَانُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَقَعُ مِنْ كَلَامِ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَنْتَظِمُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ.
وَوُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحِيلٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنِّي لَا أَقُولُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّا وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ بِإِحْضَارِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ تَتَوَقَّفُ أَتَظُنُّ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ يَقُولُ الْهَذَيَانَ فِي مَرَضِهِ؟ امْتَثِلْ أَمْرَهُ وَأَحْضِرْهُ مَا طَلَبَ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ، قَالَ: هَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ شَكٍّ عَرَضَ لَهُ، وَلَكِنْ يُبْعِدُهُ أَنْ لَا يُنْكِرَهُ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ لَنُقِلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ صَدَرَ عَنْ دَهْشَ وَحَيْرَةٍ كَمَا أَصَابَ كَثِيرًا مِنْهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُ اشْتَدَّ وَجَعُهُ فَأَطْلَقَ اللَّازِمَ وَأَرَادَ الْمَلْزُومَ، لِأَنَّ الْهَذَيَانَ الَّذِي يَقَعُ لِلْمَرِيضِ يَنْشَأُ عَنْ شِدَّةِ وَجَعِهِ. وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ لِإِرَادَةِ سُكُوتِ الَّذِينَ لَغَطُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَيُفْضِي فِي الْعَادَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَهَجَرَ فِعْلًا مَاضِيًا مِنَ الْهَجْرِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْحَيَاةَ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً لِمَا رَأَى مِنْ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ.
قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي تَرْجِيحُ ثَالِثِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقُرْطُبِيُّ وَيَكُونُ قَائِلُ ذَلِكَ بَعْضَ مَنْ قَرُبَ دُخُولُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ يَعْهَدُ أَنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ قَدْ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ تَحْرِيرِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ لِجَوَازِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ يَهْجُرُ، اسْتَفْهِمُوهُ وَعَنِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لَيَهْجُرُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ ذَلِكَ: اسْتَفْهِمُوهُ (١) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِفْهَامِ أَيِ اخْتَبِرُوا أَمْرَهُ بِأَنْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنْ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ وَابْحَثُوا مَعَهُ فِي كَوْنِهِ الْأَوْلَى أَوْ لَا. وَفِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ مُصَمِّمًا عَلَى الِامْتِثَالِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ، وَلَمَّا وَقَعَ مِنْهُمُ الِاخْتِلَافُ ارْتَفَعَتِ الْبَرَكَةُ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنَازُعِ وَالتَّشَاجُرِ.
وَقَدْ مَضَى فِي الصِّيَامِ أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُهُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فَرُفِعَتْ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: إِنَّمَا جَازَ لِلصَّحَابَةِ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَ صَرِيحِ أَمْرِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوَامِرَ قَدْ
يُقَارِنُهَا مَا يَنْقُلُهَا مِنَ الْوُجُوبِ، فَكَأَنَّهُ ظَهَرَتْ مِنْهُ قَرِينَةٌ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى التَّحَتُّمِ بَلْ عَلَى الِاخْتِيَارِ فَاخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمْ، وَصَمَّمَ عُمَرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرَائِنِ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ جَازِمٍ، وَعَزْمُهُ ﷺ كَانَ إِمَّا بِالْوَحْيِ وَإِمَّا بِالِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُهُ إِنْ كَانَ بِالْوَحْيِ فَبِالْوَحْيِ وَإِلَّا فَبِالِاجْتِهَادِ أَيْضًا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ مِنْ قُوَّةِ فِقْهِهِ وَدَقِيقِ نَظَرِهِ، لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكْتُبَ أُمُورًا رُبَّمَا عَجَزُوا عَنْهَا فَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ لِكَوْنِهَا مَنْصُوصَةً، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْعُلَمَاءِ.
وَفِي تَرْكِهِ ﷺ الْإِنْكَارَ عَلَى عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى تَصْوِيبِهِ رَأْيَهُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ التَّخْفِيفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ، وَقَامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةٌ بِأَنَّ الَّذِي أَرَادَ كِتَابَتَهُ لَيْسَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ، إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَمْ يَتْرُكْهُ ﷺ لِأَجْلِ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ إِلَخْ، لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ قَطْعًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَتَوَهَّمْ عُمَرُ الْغَلَطَ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ كِتَابَتَهُ، بَلِ امْتِنَاعُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْكَرْبِ وَحُضُورِ الْمَوْتِ خَشِيَ أَنْ يَجِدَ الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ فِيمَا يَكْتُبُهُ وَإِلَى حَمْلِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهَا بِوُقُوعِ بَعْضِ مَا يُخَالِفُ الِاتِّفَاقَ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَقُّفِ عُمَرَ، لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ مُخَالَفَةَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا جَوَازَ وُقُوعِ الْغَلَطِ عَلَيْهِ حَاشَا وَكَلَّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ ذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَنْهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَرُدُّونَ عَلَيْهِ أَيْ يُعِيدُونَ عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ وَيَسْتَثْبِتُونَهُ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَرُدُّونَ عَنْهُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ عَلَى مَنْ قَالَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ دَعُونِي: فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: دَعُونِي فَالَّذِي أُعَايِنُهُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِي بَعْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا خَيْرٌ مِمَّا أَنَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ وَالتَّأَهُّبِ لِلِقَاءِ اللَّهِ وَالتَّفَكُّرِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي تَسْأَلُونَنِي فِيهِ مِنَ الْمُبَاحَثَةِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ عَدَمِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَإِنَّ امْتِنَاعِي مِنْ أَنْ أَكْتُبَ لَكُمْ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ أَيِ الَّذِي أَشَرْتُ عَلَيْكُمْ بِهِ مِنَ الْكِتَابَةِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِهَا بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَى الَّذِي قَبْلَهُ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ اخْتِبَارًا وَامْتِحَانًا فَهَدَى اللَّهُ عُمَرَ لِمُرَادِهِ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ بَطَّالٍ: عُمَرُ أَفْقَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ اكْتَفَى بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَكْتَفِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ; فَإِنَّ قَوْلَ عُمَرَ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ عَنْ بَيَانِ السُّنَّةِ، بَلْ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرِينَةِ، وَخَشِيَ مِنَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى كِتَابَةِ الْكِتَابِ مِمَّا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، فَرَأَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْقُرْآنِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا خَشِيَهُ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ لَمْ يَكْتَفِ بِالْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ حَبْرَ الْقُرْآنِ وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِتَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ، وَلَكِنَّهُ أَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْبَيَانِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَشَرْحُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُتَحَتِّمًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُهُ لِوُقُوعِ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَعَاقَبَ اللَّهُ مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَبْلِيغِهِ، وَلَبَلَّغَهُ لَهُمْ لَفْظًا كَمَا أَوْصَاهُمْ بِإِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَاشَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَيَّامًا وَحَفِظُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ لَفْظًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهَا مَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. وَقَوْلُهُ: أَجِيزُوا
الْوَفْدَ أَيْ أَعْطُوهُمْ، وَالْجَائِزَةُ الْعَطِيَّةُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ أَنَّ نَاسًا وَفَدُوا عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَقَالَ: أَجِيزُوهُمْ فَصَارُوا يُعْطُونَ الرَّجُلَ وَيُطْلِقُونَهُ فَيَجُوزُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ مُتَوَجِّهًا فَسُمِّيَتْ عَطِيَّةُ مَنْ يَقْدَمُ عَلَى الْكَبِيرِ جَائِزَةً، وَتُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي إِعْطَاءِ الشَّاعِرِ عَلَى مَدْحِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ بِنَحْوِ: مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ أَيْ بِقَرِيبٍ مِنْهُ، وَكَانَتْ جَائِزَةُ الْوَاحِدِ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ وُقِيَّةً مِنْ فِضَّةٍ وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا) يُحْتمُل أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ثُمَّ وَجَدْتُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. وَفِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ أَيِ ابْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا أَوْ سَكَتَ عَنْهَا. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّالِثَةُ لِلْوَصِيَّةِ بِالْقُرْآنِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: بَلْ هُوَ تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَقَوَّاهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي تَنْفِيذِ جَيْشِ أُسَامَةَ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ
قَوْلُهُ: وَلَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُوَطَّأِ مَقْرُونَةً بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهَا
قَوْلُهُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
قَوْلُهُ في الرواية الثانية: (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ) أَيْ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَهْلَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ. قَوْلُهُ فِيهَا (فَقَالَ: قُومُوا) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: قُومُوا عَنِّي.
٤٤٣٣،
الْحَدِيثُ السَّادِسُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَوَالِدُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
قَوْلُهُ: (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ) وَفِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا مَضَتْ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَرْحَبًا بِبِنْتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلَّا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ إِلَيْهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَرِضَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ تُقَبِّلُهُ. وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَتَانِ عَلَى أَنَّ الَّذِي سَارَّهَا بِهِ أَوَّلًا فَبَكَتْ هُوَ إِعْلَامُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا سَارَّهَا بِهِ ثَانِيًا فَضَحِكَتْ فَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَجَعَلَ كَوْنَهَا أَوَّلَ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ مَضْمُومًا إِلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَإِنَّ حَدِيثَ مَسْرُوقٍ يَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَاتٍ لَيْسَتْ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ فَمَا زَادَهُ مَسْرُوقٌ قَوْلُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأَفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي
الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَأَنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجْلَي وَأَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقًا بِي.
وَقَوْلُهَا: كَأَنَّ مِشْيَتَهَا هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ. وَقَوْلُهَا: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكُسُوفِ وَأَنَّ التَّقْدِيرَ: مَا رَأَيْتُ كَفَرَحِ الْيَوْمِ فَرَحًا أَوْ مَا رَأَيْتُ فَرَحًا كَفَرَحٍ رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ، وَقَوْلُهَا: حَتَّى تُوُفِّيَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ تَقُلْ لِي شَيْئًا حَتَّى تُوُفِّيَ. وَقَدْ طَوَى عُرْوَةُ هَذَا كُلَّهُ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ
قَوْلِهِ: فَضَحِكَتْ: فَسَأَلْنَاهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: سَارَّنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ. الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ أَن عَائِشَةَ لَمَّا رَأَتْ بُكَاءَهَا وَضَحِكَهَا قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ أَعْقَلُ النِّسَاءِ فَإِذَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ. وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ الْجَزْمُ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ بِأَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ، فَفِيهَا أَنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ إِلَّا بِالزِّيَادَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارُهُ بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ سَبَبًا لِبُكَائِهَا أَوْ ضَحِكِهَا مَعًا بِاعْتِبَارَيْنِ، فَذَكَرَ كُلٌّ مِنَ الرَّاوِيَيْنِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي سَبَبِ الْبُكَاءِ أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَفِي سَبَبِ الضَّحِكِ الْأَمْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا أَنَّ سَبَبَ الْبُكَاءِ مَوْتُهُ، وَسَبَبَ الضَّحِكِ أَنَّهَا سَيِّدَةُ النِّسَاءِ. وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْهَا أَنَّ سَبَبَ الْبُكَاءِ مَوْتُهُ، وَسَبَبَ الضَّحِكِ لِحَاقُهَا بِهِ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَيْسَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمَ ذُرِّيَّةً مِنْكِ فَلَا تَكُونِي أَدْنَى امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبْرًا. وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ ﷺ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ حَتَّى مِنْ أَزْوَاجِهِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدٍ، وَهُوَ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ، أَوْرَدَهُ عَالِيًا مُخْتَصَرًا وَنَازِلًا تَامًّا ثُمَّ أَوْرَدَهُ أَتَمَّ مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ النَّازِلَةُ فَإِنَّهُ سَاقَهَا مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ،
عَنْ شُعْبَةَ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْعَالِيَةُ فَأَخْرَجَهَا عَنْ مُسْلِمٍ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَلَفْظُهُ مُغَايِرٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلَ يَقُولُ: الرَّفِيقَ الْأَعْلَى وَهَذَا الْقَدْرُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِزِيَادَةٍ بَعْدَ
قَوْلِهِ: الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَصَابَتْهُ بُحَّةٌ فَجَعَلْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اقْتَصَرَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ
قَوْلُهُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، وَقَدِ اقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى تَخْرِيجِ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ دُونَ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ: مِثْلُ غُنْدَرٍ قَوْلُهَا.
قَوْلُهُ: (كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَمْ تُصَرِّحْ عَائِشَةُ بِذِكْرِ مَنْ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَصَرَّحَتْ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُحَيَّى أَوْ يُخَيَّرُ وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ: يُحَيَّى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى أَوْ يُخَيَّرُ كَمَا فِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: مَا مِنْ نَبِيٍّ يُقْبَضُ إِلَّا يَرَى الثَّوَابَ ثُمَّ يُخَيَّرُ، وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوَيْهِبَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَالْخُلْدَ ثُمَّ الْجَنَّةَ فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ طَاوُسٍ رَفَعَهُ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَبْقَى حَتَّى أَرَى مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِي وَبَيْنَ التَّعْجِيلِ فَاخْتَرْتُ التَّعْجِيلَ.
(تَنْبِيهٌ): فَهْمُ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى أَنَّهُ خُيِّرَ، نَظِيرُ فَهْمِ أَبِيهَا ﵁ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُرَادَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَكَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ: شَيْءٌ يَعْرِضُ فِي الْحَلْقِ فَيَتَغَيَّرُ لَهُ الصَّوْتُ فَيَغْلُظُ، تَقُولُ: بَحِحْتُ بِالْكَسْرِ بُحًّا، وَرَجُلٌ أَبَحُّ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِيهِ خِلْقَةً.
قَوْلُهُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ: مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ إِلَى
قَوْلِهِ: ﴿رَفِيقًا﴾ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى الْأَسْعَدَ، مَعَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّفِيقَ الْمَكَانُ الَّذِي تَحْصُلُ الْمُرَافَقَةُ فِيهِ مَعَ الْمَذْكُورِينَ. وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَفِي رِوَايَةِ عَبَّادٍ عَنْ عَائِشَةَ بَعْدَ هَذَا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ وَفِي رِوَايَةِ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّفِيقَ تَغْيِيرٌ مِنَ الرَّاوِي وَأَنَّ الصَّوَابَ الرَّقِيعُ بِالْقَافِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ السَّمَاءِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرَّفِيقُ الْأَعْلَى الْجَنَّةُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ: الرَّفِيقُ الْأَعْلَى الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: بَلِ الرَّفِيقُ هُنَا اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَمَا فَوْقَهُ، وَالْمُرَادُ: الْأَنْبِيَاءُ وَمَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ.
وَقَدْ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وَنُكْتَةُ الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِالْإِفْرَادِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَهَا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ. وَزَعَمَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى اللَّهُ ﷿ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَفَعَهُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ فَعَزْوُهُ إِلَيْهِ أَوْلَى. قَالَ:
وَالرَّفِيقُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ ذَاتٍ كَالْحَكِيمِ، أَوْ صِفَةَ فِعْلٍ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَضْرَةُ الْقُدْسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي آيَةِ النِّسَاءِ. وَمَعْنَى كَوْنِهِمْ رَفِيقًا تَعَاوُنُهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَارْتِفَاقُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ. وَقَدْ غَلَّطَ الْأَزْهَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَلَا وَجْهَ لِتَغْلِيطِهِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي غَلَّطَهُ بِهَا وَهُوَ
قَوْلُهُ: مَعَ الرَّفِيقِ أَوْ فِي الرَّفِيقِ؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ سَائِغٌ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي اخْتِتَامِ كَلَامِ الْمُصْطَفَى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ كَوْنُهَا تَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ وَالذِّكْرَ بِالْقَلْبِ حَتَّى يُسْتَفَادَ مِنْهُ الرُّخْصَةُ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَمْنَعُهُ مِنَ النُّطْقِ مَانِعٌ فَلَا يَضُرُّهُ إِذَا كَانَ قَلْبُهُ عَامِرًا بِالذِّكْرِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَقُلْتُ إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَخَيَّرَهُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَجَدْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا ﷺ وَهُوَ مُسْتَرْضِعٌ عِنْدَ حَلِيمَةَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَآخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: جَلَالُ رَبِّي الرَّفِيعُ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي السِّوَاكِ.الْحَدِيثُ الْرَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (اشْتَكَى) أَيْ مَرِضَ، وَنَفَثَ أَيْ تَفَلَ بِغَيْرِ رِيقٍ أَوْ مَعَ رِيقٍ خَفِيفٍ.
قَوْلُهُ: (بِالْمُعَوِّذَاتِ) أَيْ يَقْرَؤُهَا مَاسِحًا لِجَسَدِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِلَفْظِ: فَقَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ الْمُعَوِّذَاتِ وَسَيَأْتِي فِي الطِّبِّ قَوْلُ مَعْمَرٍ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: كَيْفَ يَنْفُثُ؟ قَالَ: يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ. وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ. هَذِهِ رِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا ثُمَّ يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَالْمُرَادُ بِالْمُعَوِّذَاتِ سُورَةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَجَمَعَ إِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي يَقَعُ التَّعَوُّذُ بِهَا مِنَ السُّورَتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعَوِّذَاتِ هَاتَانِ السُّورَتَانِ مَعَ سُورَةِ
الْإِخْلَاصِ وَأَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأَمْسَحَ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَمْسَحَ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ: فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَأَفَاقَ وَهِيَ تَمْسَحُ صَدْرَهُ وَتَدْعُو بِالشِّفَاءِ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْأَلُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى وَسَأَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) جَزَمَ الْحَاكِمُ بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَسَقَطَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ فَصَارَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَفَّانَ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَعَفَّانُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ قَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ قَلِيلًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَةً، فَأَخَذْتُهَا فَمَضَغْتُ رَأْسَهَا وَنَفَضْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَنُّ بِهِ) أَيْ يَسْتَاكُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصْلُهُ مِنَ السَّنِّ أَيْ بِالْفَتْحِ، وَمِنْهُ الْمِسَنُّ الَّذِي يُسَنُّ عَلَيْهِ الْحَدِيدُ.
قَوْلُهُ: (فَأَبَدَّهُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مَدَّ نَظَرُهُ إِلَيْهِ، يُقَالُ: أَبْدَدْتُ فُلَانًا النَّظَرَ إِذَ طَوَّلْتُهُ إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَمَدَّهُ بِالْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (فَقَضِمْتُهُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَضَغْتُهُ، وَالْقَضْمُ الْأَخْذُ بِطَرَفِ الْأَسْنَانِ، يُقَالُ: قَضِمَتِ الدَّابَّةُ بِكَسْرِ الضَّادِ شَعِيرَهَا تَقْضَمُ بِالْفَتْحِ إِذَا مَضَغَتْهُ وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْأَكْثَرَ رَوَوْهُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: كَسَرَتْهُ أَوْ قَطَعَتْهُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ رِوَايَةً بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَةِ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِنْ كَانَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهَا: فَطَيَّبْتُهُ تَكْرَارًا
وَإِنْ كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَلَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى كَسَرْتُهُ لِطُولِهِ، أَوْ لِإِزَالَةِ الْمَكَانِ الَّذِي تَسَوَّكَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَيَّنْتُهُ ثُمَّ طَيَّبْتُهُ) أَيْ بِالْمَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: طَيَّبْتُهُ تَأْكِيدًا لِلَيَّنْتُهُ، وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَدْخَلْتُهُ فِي فِيهِ فَاشْتَدَّ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعَمَلُ بِالْإِشَارَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَقُوَّةُ فِطْنَةِ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (وَنَفَضْتُهُ) بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ: (فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ) أَيْ مِنَ السِّوَاكِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ وَرَأْسُهُ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي) وَفِي رِوَايَةِ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ: تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَإِنَّ اللَّهَ جَمَعَ رِيقِي وَرِيقَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَالْحَاقِنَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ: مَا سَفَلَ مِنَ الذَّقَنِ، وَالذَّاقِنَةُ مَا عَلَا مِنْهُ. أَوِ الْحَاقِنَةُ: نُقْرَةُ التَّرْقُوَةِ، هُمَا حَاقِنَتَانِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَاقِنَةَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ التَّرْقُوَةِ وَالْحَلْقِ. وَقِيلَ: مَا دُونَ التَّرْقُوَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: هِيَ تَحْتَ السُّرَّةِ. وَقَالَ ثَابِتٌ: الذَّاقِنَةُ طَرَفُ الْحُلْقُومِ: وَالسَّحْرُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الصَّدْرُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الرِّئَةُ. وَالنَّحْرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَوْضِعُ النَّحْرِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: هُوَ مَا بَيْنَ الثَّدْيَيْنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا بَيْنَ الْحَاقِنَةِ وَالذَّاقِنَةِ هُوَ مَا بَيْنَ السَّحْرِ وَالنَّحْرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَاتَ وَرَأْسُهُ بَيْنَ حَنَكِهَا وَصَدْرِهَا ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا.
وَهَذَا لَا يُغَايِرُ حَدِيثَهَا الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّ رَأْسَهُ كَانَ عَلَى فَخِذِهَا؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا رَفَعَتْهُ مِنْ فَخِذِهَا إِلَى صَدْرِهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعَارِضُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ طُرُقٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ وَكُلُّ طَرِيقٍ مِنْهَا لَا يَخْلُو مِنْ شِيعِيٍّ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ رَأَيْتُ بَيَانَ حَالِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ التَّعَصُّبِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: ذِكْرُ مَنْ قَالَ: تُوُفِّيَ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ وَسَاقَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: سَأَلَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، عَلِيًّا مَا كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ﷺ؟ فَقَالَ: أَسْنَدْتُهُ إِلَى صَدْرِي، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى مَنْكِبِي فَقَالَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ. فَقَالَ كَعْبٌ: كَذَلِكَ آخِرُ عَهْدِ الْأَنْبِيَاءِ. وَفِي سَنَدِهِ الْوَاقِدِيُّ، وَحَرَمُ بْنُ عُثْمَانَ وَهُمَا مَتْرُوكَانِ. وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: ادْعُوا إِلَيَّ أَخِي، فَدُعِيَ لَهُ عَلِيٌّ فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَنِدًا إِلَيَّ وَإِنَّهُ لِيُكَلِّمُنِي حَتَّى نَزَلَ بِهِ، وَثَقُلَ فِي حِجْرِي فَصِحْتُ: يَا عَبَّاسُ أَدْرِكْنِي فإِنِّي هَالِكٌ، فَجَاءَ الْعَبَّاسُ، فَكَانَ جَهْدُهُمَا جَمِيعًا أَنْ أَضْجَعَاهُ. فِيهِ انْقِطَاعٌ مَعَ الْوَاقِدِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ فِيهِ لِينٌ.
وَبِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: قُبِضَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ فِيهِ انْقِطَاعٌ. وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ: مَاتَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ. فِيهِ الْوَاقِدِيُّ وَالِانْقِطَاعُ، وَأَبُو الْحُوَيْرِثِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْمَدَنِيُّ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَأَبُوهُ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ. وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ، قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ تُوُفِّيَ وَإِنَّهُ لَمُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي غَسَّلَهُ وَأَخِي الْفَضْلُ، وَأَبَى أَبِي أَنْ يَحْضُرَ. فِيهِ الْوَاقِدِيُّ، وَسُلَيْمَانُ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، وَأَبُو غَطَفَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ اسْمُهُ سَعْدٌ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ: أَسْنَدْتُهُ إِلَى صَدْرِي فَسَالَتْ نَفْسُهُ. وَحَبَّةُ ضَعِيفٌ. وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: عَلِيٌّ آخِرُهُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ آخِرَ الرِّجَالِ بِهِ عَهْدًا. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ آخِرَهُمْ عَهْدًا بِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى مَالَ فَلَمَّا مَالَ ظَنَّ أَنَّهُ مَاتَ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ فَأَسْنَدَتْهُ عَائِشَةُ بَعْدَهُ إِلَى صَدْرِهَا فَقُبِضَ.
وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ
بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ غَيْرَ مَهْمُوزٍ وَبَعْدَ الثَّانِيَةِ الْمَفْتُوحَةِ نُونٌ مَضْمُومَةٌ ثُمَّ وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ: فَبَيْنَمَا رَأْسُهُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى مَنْكِبِي إِذْ مَالَ رَأْسُهُ نَحْوَ رَأْسِي فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ رَأْسِي حَاجَةً فَخَرَجَتْ مِنْ فِيهِ نُقْطَةٌ بَارِدَةٌ فَوَقَعَتْ عَلَى ثُغْرَةِ نَحْرِي فَاقْشَعَرَّ لَهَا جِلْدِي، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَسَجَّيْتُهُ ثَوْبًا.
٤٤٤٣،
قَوْلُهُ: (لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ فِي وَجَعِهِ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ.
قَوْلُهُ: (اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ فَاطِمَةَ هِيَ الَّتِي خَاطَبَتْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُنَّ: أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافُ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ دُخُولَهُ بَيْتَهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الَّذِي يَلِيهِ. وَقَدْ مَضَى شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ وَفِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَذَكَرْتُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ طَرَفًا مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ الَّذِي كَانَ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ الْعَبَّاسِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: فَخَرَجَ بَيْنَ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ وَفِي أُخْرَى: رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أُسَامَةُ وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أُسَامَةُ، وَالْفَضْلُ وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي آخِرِهِ: بَرِيرَةُ وَنُوبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا وَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ اسْمُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَجَزَمَ سَيْفٌ فِي الْفُتُوحِ بِأَنَّهُ عَبْدٌ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: الْفَضْلُ، وَثَوْبَانُ وَجَمَعُوا بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا بِأَنَّ خُرُوجَهُ تَعَدَّدَ فَيَتَعَدَّدُ مَنِ اتَّكَأَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: تَنَاوَبُوا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي بَيْتِي) وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ، عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بُيُوتَكُنَّ، فَإِذَا شِئْتُنَّ أَذِنْتُنَّ لِي، وَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ وَكَانَ أَوَّلُ مَا بَدَأَ مَرَضُهُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ) قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْعَدَدِ أَنَّ لَهُ خَاصِّيَّةً فِي دَفْعِ ضَرَرِ السُّمِّ وَالسِّحْرِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ نَجَاسَةَ سُؤْرِ الْكَلْبِ وَزَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ مِنْهُ سَبْعًا إِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ السُّمَيَّةِ الَّتِي فِي رِيقِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ، وَلِلنَّسَائِيِّ: فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمُصَابِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: الْقَوْلُ لِمَنْ بِهِ وَجَعٌ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَفِي النَّسَائِيِّ: مَنْ قَالَ عِنْدَ مَرِيضٍ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي
شَيْبَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: أَيْنَ أَكُونُ غَدًا؟ كَرَّرَهَا، فَعَرَفَتْ أَزْوَاجُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ عَائِشَةَ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَهَبْنَا أَيَّامَنَا لِأُخْتِنَا عَائِشَةَ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَانَ يَقُولُ: أَيْنَ أَنَا؟ حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ، وَأَذِنَ لَهُ نِسَاؤُهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُحَدِّثُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا
قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مَوْصُولٌ: وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ) تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي مَرَضِهِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ -: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: أَنَّهُ آخِرُ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ عِنْدَهُ اخْتِلَافُهُمْ وَلَغَطُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَقَالَ لَهُمْ: قُومُوا، فَلَعَلَّهُ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ خِفَّةً فَخَرَجَ. وَقَوْلُهُ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ إِلَخْ. هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا وَمَوْصُولٌ أَيْضًا، وَإِنَّمَا فَصَلَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ مَا هُوَ عِنْدَ شَيْخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ مَعًا وَعَنْ عَائِشَةَ فَقَطْ.الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.ﷺ.ﷺ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، لَا إِلَى جَمِيعِ الْحَدِيثِ. فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَصَلَهُ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْإِمَامَةِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
الْحَدِيثُ العَاشَرَ.
قَوْلهَا: (فَلَا أَكْرَه شِدَّة الْمَوْت لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْد النَّبِيّ ﷺ سَيَأْتِي بَيَان الشِّدَّة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث الْآتِي أَوَاخِر الْبَاب مِنْ رِوَايَة ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَة وَلَفْظه: بَيْن يَدَيْهِ رَكْوَة أَوْ عُلْبَة بِهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِل يَدَيْهِ فِي الْمَاء فَيَمْسَح بِهَا وَجْهه يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَات وَعِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: رَأَيْته وَعِنْده قَدَح فِيهِ مَاء وَهُوَ يَمُوت، فَيُدْخِل يَده فِي الْقَدَح ثُمَّ يَمْسَح وَجْهه بِالْمَاءِ ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَات الْمَوْت وَفِي رِوَايَة شَقِيق عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: مَا رَأَيْت الْوَجَع عَلَى أَحَد أَشَدّ مِنْهُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَسَيَأْتِي فِي الطِّبّ. وَبَيَّنَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي الطِّبّ أَنَّ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَجْرَيْنِ. وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد: إِنَّا مَعَاشِر الْأَنْبِيَاء يُضَاعَف لَنَا الْبَلَاء كَمَا يُضَاعَف لَنَا الْأَجْر.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ) هَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ أَخَوَيْهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا مَعْنَى لِتَوَقُّفِ الدِّمْيَاطِيِّ فِيهِ فَإِنَّ الْإِسْنَادَ صَحِيحٌ وَسَمَاعُ الزُّهْرِيِّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ثَابِتٌ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ شُعَيْبٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَصَرَّحَ أَيْضًا بِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَفِي الْإِسْنَادِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ وَصَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ.
قَوْلُهُ: (بَارِئًا) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَأَ بِمَعْنَى أَفَاقَ مِنَ
الْمَرَضِ.
قَوْلُهُ: (أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا) هُوَ كِنَايَةٌ عَمَّنْ يَصِيرُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَمُوتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَتَصِيرُ أَنْتَ مَأْمُورًا عَلَيْكَ، وَهَذَا مِنْ قُوَّةِ فِرَاسَةِ الْعَبَّاسِ ﵁.
قَوْلُهُ: (لَأَرَى) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَبِضَمِّهَا بِمَعْنَى الظَّنِّ، وَهَذَا قَالَهُ الْعَبَّاسُ مُسْتَنِدًا إِلَى التَّجْرِبَةِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (هَذَا الْأَمْرُ) أَيِ الْخِلَافَةُ. وَفِي مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فَنَسْأَلُهُ مَنْ يَسْتَخْلِفُ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ مِنَّا فَذَاكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَوْصَى بِنَا) فِي مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ وَإِلَّا أَوْصَى بِنَا فَحُفِظْنَا مِنْ بَعْدِهِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ عَلِيٌّ: وَهَلْ يَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ غَيْرُنَا. قَالَ: أَظُنُّ وَاللَّهِ سَيَكُونُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ) أَيْ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِمَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ: (لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ) أَيْ لَا أَطْلُبُهَا مِنْهُ، وَزَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ فِي آخِرِهِ فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ الْعَبَّاسُ، لِعَلِيٍّ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ تُبَايِعْكَ النَّاسُ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَنَّ عَلِيًّا سَأَلَهُ عَنْهَا كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي الطَّاهِرِ الذُّهْلِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: لَقِيَنِي الْعَبَّاسُ - فَذَكَرَ نَحْوَ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِاخْتِصَارٍ وَفِي آخِرهَا - قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا لَيْتَنِي أَطَعْتُ عَبَّاسًا، يَا لَيْتَنِي أَطَعْتُ عَبَّاسًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يَقُ لُ لَنَا: أَيُّهُمَا كَانَ أَصْوَبَ رَأْيًا؟ فَنَقُولُ الْعَبَّاسُ. فَيَأْبَى وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ أَعْطَاهَا عَلِيًّا فَمَنَعَهُ النَّاسُ لَكَفَرُوا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَنَسٍ (أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْقَوْمِ الْحَدِيثَ، وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَلَا يَصِحُّ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ صَلَاةَ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ) زَادَ أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ وَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ بَكَى النَّاسُ، فَقَامَ عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَلَا لَا أَسْمَعَنَّ أَحَدًا يَقُولُ: مَاتَ مُحَمَّدٌ الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهِيَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ) يَخْدِشُ فِي جَزْمِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ مَاتَ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْآخِرِ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ النَّهَارِ وَذَلِكَ عِنْدَ
الزَّوَالِ، وَاشْتِدَادُ الضُّحَى يَقَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَتَحَقَّقُ زَوَالُ الشَّمْسِ. وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّهُ ﷺ مَاتَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَكَذَا لِأَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ.٤٤٤٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَلَيَّنْتُهُ فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ - أَوْ عُلْبَةٌ يَشُكُّ عُمَرُ - فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ.
الحديث الرابع عشر،
قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ) سَيَأْتِي بَعْدَ حَدِيثٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَا وَاسِطَةٍ، لَكِنْ فِي كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيَّنْتُهُ) أَيْ لَيَّنْتُ السِّوَاكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَّهُ) بِفَاءٍ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ أَمَرَّهُ عَلَى أَسْنَانِهِ فَاسْتَاكَ بِهِ. وللْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ بِأَمْرِهِ بِمُوَحَّدَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عِنْدَ أَحْمَدَ نَحْوَهُ وَزَادَ فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا. الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ، تَقَدَّمَ كَذَلِكَ. الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ.
٤٤٥٢،
٤٤٥٤ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى
قَوْلِهِ: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنْ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَأَنَّهُ مَسْكَنُ زَوْجَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْمَوْتَةِ الْأُخْرَى مَوْتَةُ الشَّرِيعَةِ أَيْ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَكَ وَمَوْتَ شَرِيعَتِكَ. قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا لِأَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ ابْنِ السَّكَنِ قَدْ أَوْضَحَتِ الْمُرَادَ فَإِنَّهُ زَادَ لَفْظَ: عَلِمْتُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) الْقَائِلُ هُوَ الزُّهْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ) أَيْ يَقُولُ لَهُمْ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ، عَنْ عَائِشَةَ مُتَّصِلًا بِمَا ذَكَرْتُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّامِنِ شَيْءٌ دَارَ بَيْنَ الْمُغِيرَةِ،
وَعُمَرَ. فَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهَا: فَسَجَّيْت هُ ثَوْبًا: فَجَاءَ عُمَرُ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَاسْتَأْذَنَا فَأَذِنْتُ لَهُمَا، وَجَذَبْتُ الْحِجَابَ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَاغَشْيَتَاهْ. ثُمَّ قَامَا، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْبَابِ قَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا عُمَرُ مَاتَ. قَالَ: كَذَبْتَ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ تَحُوشُكَ فِتْنَةٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ. ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَرَفَعْتُ الْحِجَابَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِعُمَرَ: هَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتَ، وَلَمْ يَمُتْ حَتَّى حَارَبَ وَسَالَمَ وَنَكَحَ وَطَلَّقَ وَتَرَكَكُمْ عَلَى مَحَجَّةٍ وَاضِحَةٍ وَهَذِهِ مِنْ مُوَافَقَاتِ الْعَبَّاسِ، لِلصِّدِّيقِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يَقُولُ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَقْتُلَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا أَظْهَرُوا الِاسْتِبْشَارَ وَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتَ، أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ثُمَّ أَتَى الْمِنْبَرَ فَصَعِدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَذَكَرَ خُطْبَتَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ زَادَ يَزِيدُ بْنُ بَابَنُوسُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عُمَرُ. أَوَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا شَعَرْتُ أَنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَزَادَ: ثُمَّ نَزَلَ، فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَخَذَ الْمُنَافِقِينَ الْكَآبَةُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَأَنَّمَا عَلَى وُجُوهِنَا أَغْطِيَةٌ فَكُشِفَتْ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ، وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: مَا أَدْرِي: الْقَائِلُ: فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الزُّهْرِيُّ أَوْ شَيْخُهُ أَبُو مَسْلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: صَرَّحَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِأَنَّهُ الزُّهْرِيُّ، وَأَثَرُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ هَذَا أَهْمَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى شَرْطِهِ.
قَوْلُهُ: (فَعُقِرْتُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ هَلَكْتُ، وَفِي رِوَايَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ دَهَشْتُ وَتَحَيَّرْتُ، وَيُقَالُ: سَقَطْتُ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ بِالْفَاءِ مِنَ الْعَفَرِ وَهُوَ التُّرَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَقُعِرْتُ بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْعَيْنِ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (مَا تُقِلُّنِي) بِضَمِّ أَوَّلُهُ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ مَا تَحْمِلُنِي.
قَوْلُهُ: (وَحَتَّى أَهْوَيْتُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: هَوَيْتُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَقَوْلُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ تَلَاهَا: أَيْ تَلَا الْآيَةَ الَّتِي مَعْنَاهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَعَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ وَهِيَ وَاضِحَةٌ، وَكَذَا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَعُقِرْتُ وَأَنَا قَائِمٌ حَتَّى خَرَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَيْقَنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتَ وَفِي الْحَدِيثِ قُوَّةُ جَأْشِ أَبِي بَكْرٍ وَكَثْرَةُ عِلْمِهِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَبَّاسُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْمُغِيرَةُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كَمَا فِي الْمَغَازِي لِأَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وَالنَّاسُ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَقَلَّ عَدَدًا فِي الِاجْتِهَادِ قَدْ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ الْأَكْثَرَ فَلَا يَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ بِالْأَكْثَرِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ ظَهَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَلَّدَ بَعْضًا.
٤٤٥٥،الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَمَا مَاتَ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهُ كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ عَنْهَا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَحَدَرَ فَاهُ فَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَانَبِيَّاهْ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاصَفِيَّاهْ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاخَلِيلَاهْ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَوَضَعَ فَاهُ عَلَى جَبِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ جَبْهَتَهُ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَتِيكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَمَسَّهُ فَقَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ.الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ،
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَزَادَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ) أَمَّا عَلِيٌّ فَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَلِيًّا وَافَقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ قِصَّةَ اللُّدُودِ.
قَوْلُهُ: (لَدَدْنَاهُ) أَيْ جَعَلْنَا فِي جَانِبِ فَمِهِ دَوَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَهَذَا هُوَ اللُّدُودُ، فَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَيُقَالُ لَهُ: الْوُجُورُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا - أَيْ بِزَيْتٍ - فلَّدُوهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ) قَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا الِامْتِنَاعُ كَرَاهِيَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّصْبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ نَهَانَا لِلْكَرَاهِيَةِ لِلدَّوَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَيْ كَرِهَهُ كَرَاهِيَةَ الدَّوَاءِ، قَالَ عِيَاضٌ: الرَّفْعُ أَوْجَهُ مِنَ النَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسُ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) قِيلَ: فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ فِي جَمِيعِ مَا يُصَابُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَمْدًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَتَعَاطَوْا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ لِتَرْكِهِمُ امْتِثَالَ نَهْيهِ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا مَنْ بَاشَرَهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ فَلِكَوْنِهِمْ تَرَكُوا نَهْيَهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ هُوَ عَنْهُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ لَا يُعْذَرُ بِهِ صَاحِبُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعَارَضَةِ النَّهْيِ - قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: - أَرَادَ أَنْ لَا يَأْتُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِمْ حَقُّهُ فَيَقَعُوا فِي خَطْبٍ عَظِيمٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْعَفْوُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْدِيبَهُمْ لِئَلَّا يَعُودُوا، فَكَانَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لَا قِصَاصًا وَلَا انْتِقَامًا. قِيلَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ اللَّدَّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ، وَمَنْ حَقَّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَالتَّحَقُّقِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِدَائِهِ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمُهَا، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ كَمَا تَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سْعَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا السَّنَدِ وَلَفْظُهُ: كَانَتْ تَأْخُذُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَاصِرَةُ، فَاشْتَدَّتْ بِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَدَدْنَاهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: هَذَا مِنْ فِعْلِ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هُنَا، وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيَّ ذَاتَ الْجَنْبِ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ لَهَا عَلَيَّ سُلْطَانًا، وَاللَّهِ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ. فَمَا يبَقِى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ، وَلَدَدْنَا مَيْمُونَةَ وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَشَارَتَا بِأَنْ يَلُدُّوهُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: إِنَّ أَوَّلَ مَا اشْتَكَى كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرْنَ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هُنَا - وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ مِنْهُنَّ فَقَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ. فَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَنِي بِهِ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ.
قَالَ: فَلَقَدِ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ بَيَانُ ضَعْفِ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَاتَ الْجَنْبِ تُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَرَضَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ: أَحَدُهُمَا وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ، وَالْآخَرُ رِيحٌ مُحْتَقِنٌ بَيْنَ الْأَضْلَاعِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْفِيُّ هُنَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ذَاتُ الْجَنْبِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أُثْبِتَ هُنَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَحْذُورٌ كَالْأَوَّلِ.
الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ حَدِيثُ عَائِشَةَ.؟
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَزْهَرُ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ بَصْرِيٌّ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ بَصْرِيٌّ أَيْضًا، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخْعِيُّ، وَالْأَسْوَدُ فَكُوفِيَّانِ.
قَوْلُهُ: (ذُكِرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: ذَكَرُوا وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: وَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ وَقَدْ رَأَيْتُهُ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَتْفُلَ فِيهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ هُنَاكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْبَابِ.كِتَابِ اللَّهِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الْوَصَايَا.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَهُوَ الْمُصْطَلِقِيُّ أَخُو مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الْوَصَايَا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَنَسٍ عَنْ فَاطِمَةَ.
قَوْلُهُ: (وَاكَرْبَ أَبَاهُ) فِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَاكَرْبَاهْ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ لِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهَا لَمْ تَرْفَعْ صَوْتَهَا بِذَلِكَ وَإِلَّا لَكَانَ يَنْهَاهَا.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَتَاهْ) كَأَنَّهَا قَالَتْ: يَا أَبِي، وَالْمُثَنَّاةُ بَدَلٌ مِنَ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْأَلِفُ لِلنُّدْبَةِ وَلِمَدِّ الصَّوْتِ وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَحَكَى الطَّيِّبِيُّ عَنْ نُسْخَةٍ مِنْ الْمَصَابِيحِ بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ) قِيلَ: الصَّوَابُ إِلَى جِبْرِيلَ نَعَاهُ، جَزَمَ بِذَلِكَ سِبْطُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِرْآةِ، وَالْأَوَّلُ مُوَجَّهٌ فَلَا مَعْنَى لِتَغْلِيطِ الرُّوَاةِ بِالظَّنِّ وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَارِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: يَا أَبَتَاهُ، مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ وَمِثْلُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ بِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﵊: لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ أَنَّ كَرْبَهُ كَانَ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ وُقُوعِ الْفِتَنِ وَالِاخْتِلَافِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ تَنْقَطِعَ شَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ بِمَوْتِهِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَأَعْمَالُهُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرْبِ مَا كَانَ يَجِدُهُ مِنْ شِدَّةِ الْمَوْتِ، وَكَانَ فِيمَا يُصِيبُ جَسَدَهُ مِنَ الْآلَامِ كَالْبَشَرِ لِيَتَضَاعَفَ لَهُ الْأَجْرُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ إِلَخْ) وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنْ فَاطِمَةَ، وَأَشَارَتْ ﵍ بِذَلِكَ إِلَى عِتَابِهِمْ عَلَى إِقْدَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا عَرَفَتْهُ مِنْهُمْ مِنْ رِقَّةِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وَسَكَتَ أَنَسٌ عَنْ جَوَابِهَا رِعَايَةً لَهَا وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: لَمْ تَطِبْ أَنْفُسُنَا بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّا قَهَرْنَاهَا عَلَى فِعْلِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا تَغَيَّرَتْ عَمَّا عَهِدُوهُ فِي حَيَاتِهِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالصَّفَاءِ وَالرِّقَّةِ؛ لِفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدُّهُمْ بِهِ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّوَجُّعِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ احْتِضَارِهِ بِمِثْلِ قَوْلِ فَاطِمَةَ ﵍ وَاكَرْبَ أَبَاهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النِّيَاحَةِ، لِأَنَّهُ ﷺ أَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهَا بَعْدَ أَنْ قُبِضَ وَاأَبَتَاهْ إِلَخْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُتَّصِفًا بِهَا لَا يُمْنَعُ ذِكْرُهُ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ فِيهِ ظَاهِرًا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ أَوْ لَا يَتَحَقَّقُ اتِّصَافُهُ بِهَا فَيَدْخُلُ فِي الْمَنْعِ، وَنُبِّهَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمِزِّيَّ ذَكَرَ كَلَامَ فَاطِمَةَ هَذَا فِي مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ فِي مُسْنَدِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ
أَنَّهُ حَضَرَهُ، لَكِنِ الْأَخِيرُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ فَاطِمَةَ فَحَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنْهَا.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.