كتب الحديث
النبوي الشريف

بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِفِ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب المغازي الأحاديث 4224–4243

أحاديث الباب: 4224، 4225، 4226، 4227، 4228، 4229، 4230، 4233، 4234، 4235، 4236، 4237، 4241، 4242، 4243

قَوْلُهُ: (بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِفِ) هُوَ بَلَدٌ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ، كَثِيرُ الْأَعْنَابِ وَالنَّخِيلِ، عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ أَوِ اثْنَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، قِيلَ: أَصْلُهَا أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ اقْتَلَعَ الْجَنَّةَ الَّتِي كَانَتْ لِأَصْحَابِ الصَّرِيمِ فَسَارَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ، فَطَافَ بِهَا حَوْلَ الْبَيْتِ، ثُمَّ أَنْزَلَهَا حَيْثُ الطَّائِفِ فَسُمِّيَ الْمَوْضِعُ بِهَا، وَكَانَتْ أَوَّلًا بِنَوَاحِي صَنْعَاءَ، وَاسْمُ الْأَرْضِ وَجٌّ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ، سُمِّيَتْ بِرَجُلٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْجِنِّ مِنَ الْعَمَالِقَةِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَزَلَ بِهَا. وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهَا بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حُنَيْنٍ وَحَبَسَ الْغَنَائِمَ بَالْجِعْرَانَةِ، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ قَائِدَ هَوَازِنَ لَمَّا انْهَزَمَ دَخَلَ الطَّائِفَ وَكَانَ

لَهُ حِصْنُ بَلِيَةَ، وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ الطَّائِفِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الطَّائِفِ فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ.

قَوْلُهُ: (فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ). قُلْتُ: كَذَا ذَكَرَهُ فِي مَغَازِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَغَازِي. وَقِيلَ: بَلْ وَصَلَ إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَفِي الْإِسْنَادِ لَطِيفَةٌ: رَجُلٌ عَنْ أَبِيهِ وَهُمَا تَابِعِيَّانِ، وَامْرَأَةٌ عَنْ أُمِّهَا وَهُمَا صَحَابِيَّتَانِ.

قَوْلُهُ: (أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ) الْحَدِيثُ يَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ حِصَارِ الطَّائِفِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى بَعْدَهُ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: وَهُوَ مُحَاصِرٌ الطَّائِفَ يَوْمَئِذٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ هُوَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ رَاوِيَةِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَاسْتُشْهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بِالطَّائِفِ أَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ. وَقَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: الْمُخَنَّثُ هِيتٌ أَيِ اسْمُهُ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَأَمَّا ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ فَضَبَطَهُ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَوَّلَ تَصْحِيفٌ. قَالَ: وَالْهَنَبُ الْأَحْمَقُ. وَسَيَأْتِي مَا قِيلَ فِي اسْمِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ هَلْ هُوَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَكَذَا مَا قِيلَ فِي اسْمِ الْمَرْأَةِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا بَادِيَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الثَّقِيلَةِ - الْمُزَنِيِّ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، ذَكَرَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، وَسَالِمٍ عَنْهُ، فَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ طَرِيقُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَتَبَيَّنَ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ فِيهَا إِدْرَاجًا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ أَنَّ ذِكْرَ الثُّومِ عَنْ نَافِعٍ وَحْدَهُ، وَذِكْرَ الْحُمُرِ عَنْ سَالِمٍ، وَاقْتَصَرَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ -، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى مَا ذَكَرَ نَافِعٌ وَحْدَهُ مُقْتَصِرًا فِي الْمَتْنِ عَلَى ذِكْرِ الْحُمُرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحُمُرِ وَالثُّومِ مَعًا عِنْدَ نَافِعٍ، وَأَنَّ الَّذِي عِنْدَ سَالِمٍ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ الْحُمُرِ خَاصَّةً دُونَ ذِكْرِ الثُّومِ، فَأَدْرَجَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْهُمَا، هَذَا مُقْتَضَى مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَيْهِ فِي الذَّبَائِحِ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ شَرْحَ الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الثُّومِ وَلُحُومِ الْحُمُرِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْحُمُرِ حَرَامٌ وَأَكْلَ الثُّومِ مَكْرُوهٌ، وَقَدْ جَمْعَ بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ النَّهْيِ: فَاسْتَعْمَلَهُ فِي حَقِيقَتِهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ، وَفِي مَجَازِهِ هُوَ الْكَرَاهَةُ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ حَدِيثُ عَلِيٍّ:

قَوْلُهُ: (ابْنَيْ مُحَمَّدٍ)؛ أَيِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِي الْحُمُرِ، قِيلَ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَالصَّوَابُ: نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَعَنْ مُتْعَةِ

النِّسَاءِ، وَلَيْسَ يَوْمُ خَيْبَرَ ظَرْفًا لِمُتْعَةِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ تَمَتُّعٌ بِالنِّسَاءِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي مَكَانِهِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الحديث السادس عشر حديث جابر.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ عَلِيٍّ هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ بْنُ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ: الْأَهْلِيَّةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الحديث السابع عشر حديث ابن أبي أوفى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبَّادٌ) هُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ، وَالشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزٍ.

قَوْلُهُ: (أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَتَمَامُهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ بِلَفْظِ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتِ الْقُدُورُ الْحَدِيثَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عِدَّةَ الْحُمُرِ الَّتِي ذَبَحُوهَا كَانَتْ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ، كَذَا رَوَاهُ بِالشَّكِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَهَى عَنْهَا الْبَتَّةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ) تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالَ: نَهَى عَنْهَا الْبَتَّةَ وَأنَّ الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: لَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: نَهَى عَنْهَا الْبَتَّةَ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: نَهَى عَنْهَا الْبَتَّةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ):

قَوْلُهُ: الْبَتَّةَ مَعْنَاهُ الْقَطْعُ، وَأَلِفُهَا أَلِفُ وَصْلٍ، وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا أَلِفُ قَطْعٍ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، وَلَمْ أَرَ مَا قَالَهُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الِانْبِتَاتُ الِانْقِطَاعُ، وَرَجُلٌ مُنْبَتٌّ أَيْ مُنْقَطِعٌ بِهِ، وَيُقَالُ: لَا أَفْعَلُهُ بَتَّةً، وَلَا أَفْعَلُهُ الْبَتَّةَ لِكُلِّ أَمْرٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ، انْتَهَى. وَرَأَيْتُهُ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِأَلِفِ وَصْلٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ - وَهُوَ ابْنُ عَازِبٍ - مَقْرُونًا بِابْنِ أَبِي أَوْفَى، أَخْرَجَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ؛ عَالِيَتَيْنِ وَنَازِلَةٍ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ النَّازِلَةِ بَعْدَ الْعَالِيَةِ أَنَّ فِي النَّازِلَةِ التَّصْرِيحَ بِسَمَاعِ التَّابِعِيِّ لَهُ مِنَ الصَّحَابِيَّيْنِ دُونَ الْعَالِيَةِ فَإِنَّهَا بِالْعَنْعَنَةِ.

قَوْلُهُ فِي الْأُولَى: (وَاطَّبِخُوهَا) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ: عَالِجُوا طَبْخَهَا.

قَوْلُهُ فِيهَا: (فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ في الثانية: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فَقَالَ: عَنِ النَّضْرِ - وَهُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ - عَنْ شُعْبَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَقَدْ حَقَّقْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ إِسْحَاقَ حَيْثُ أَتَى عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ فَهُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ لَا ابْنُ رَاهَوَيْهِ.

قَوْلُهُ فِيهَا (أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ - وَقَدْ نَصَبُوا الْقُدُورَ: أَكْفِئُوا الْقُدُورَ)؛ أَيْ: أَمِيلُوهَا لِيُرَاقَ مَا فِيهَا.

قَوْلُهُ فِي الثَّالِثَةِ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى الْبَرَاءِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ وَأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَدَ أَحَدَهُمَا بِالذِّكْرِ، وَأنَّ الْجَزِيَّ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ: عَنْ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَوِ الْبَرَاءِ؛ بِالشَّكِّ.

قَوْلُهُ: (نَحْوَهُ) قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِلَفْظِ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْبَرَ فَأَصَبْنَا حُمُرًا فَطَبَخْنَاهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَكْفِئُوا الْقُدُورَ ثُمَّ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْبَرَاءِ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هُوَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، وَعَاصِمٌ هُوَ الْأَحْوَلُ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ.

قَوْلُهُ: (نِيئَةً وَنَضِيجَةً) بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ بِهَاءِ الضَّمِيرِ فِيهَا، وَالنِّيءُ - بِكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ - ضِدُّ النَّضِيجِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْنَا بِأَكْلِهِ بَعْدُ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِمْرَارِ تَحْرِيمِهِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ جَعْفَرٍ السِمْنَانِيُّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَنُونَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، كَانَ

حَافِظًا، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، وَعَاشَ بَعْدَهُ خَمْسَ سِنِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْكَلَابَاذِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ مَا رَوَى عَنْهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ حَدِيثٌ آخَرُ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ هَذَا، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ الْكَثِيرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَأَخْرَجَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ.

الحديث العشرون حديث ابن عمر في سهام الراجل والفارس، تقدم شرحه في الجهاد. والقائل قال: فسره نافع هو عبيد الله بن عمر العمري الراوي عنه، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه. وزائدة هو ابن قدامة، ومحمد بن سابق من شيوخ البخاري وربما حدث عنه بواسطة كما هنا، وشيخ البخاري الحسن بن إسحاق تقدم قريبا في عمرة الحديبية.

الحديث الحادي والعشرون حديث جبير بن مطعم، تقدم شرحه في فرض الخمس، وقوله: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد كذا للأكثر بفتح الشين المعجمة وبالهمزة، وللمستملي هنا وحده بكسر المهملة وتشديد التحتانية. وقوله: قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا هو موصول بالإسناد المذكور.

الْحَدِيثُ الثَّانِي والْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ: (بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ شَأْنُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَهَذَا إِنْ كَانَ أَرَادَ بِالْمَخْرَجِ الْبَعْثَةَ، وَإِنْ أَرَادَ الْهِجْرَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ فَأَسْلَمُوا وَأَقَامُوا بِبِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ عَرَفُوا بِالْهِجْرَةِ فَعَزَمُوا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا تَأَخَّرُوا هَذِهِ الْمُدَّةَ إِمَّا لِعَدَمِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَإِمَّا لِعِلْمِهِمْ بِمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِنَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا بَلَغَتْهُمُ الْمُهَادَنَةُ آمَنُوا وَطَلَبُوا الْوُصُولَ إِلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: خَرَجْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جِئْنَا مَكَّةَ أَنَا وَأَخُوكَ وَأَبُو عَامِرِ بْنُ قَيْسٍ، وَأَبُو رُهْمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَبُو بُرْدَةَ وَخَمْسُونَ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وَسِتَّةٌ مِنْ عَكَّ، ثُمَّ خَرَجْنَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ مَرُّوا بِمَكَّةَ فِي حَالِ مَجِيئِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا دَخَلُوا مَكَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْهُدْنَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ؛ أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ، وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ) أَمَّا أَبُو بُرْدَةَ فَاسْمُهُ عَامِرٌ، وَلَهُ حَدِيثٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى - وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ - عَنْهُ، وَأَمَّا أَبُو رُهْمٍ فَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَاسْمُهُ مَجْدِيٌّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الصَّحَابَةُ بِأَنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدٌ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنَ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ أَبِي رُهْمٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ. وَذَكَرَ ابْنُ قَانِعٍ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ أَخْبَرُوهُ وَحَقَّقُوا لَهُ وَكَتَبُوا خُطُوطَهُمْ أَنَّ اسْمَ أَبِي رُهْمٍ مُجِيلَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ ثُمَّ لَامٌ ثُمَّ هَاءٌ.

قَوْلُهُ: (إِمَّا قَالَ: بِضْعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: مِنْ قَوْمِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلُ أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسِينَ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وَهُمْ قَوْمُهُ، فَلَعَلَّ الزَّائِدَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ، فَمَنْ

قَالَ اثْنَيْنِ أَرَادَ مَنْ ذَكَرَهُمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَهُمَا أَبُو بُرْدَةَ، وَأَبُو رُهْمٍ، وَمَنْ قَالَ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي عَدَدِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ إِخْوَاتِهِ. وَأَخْرَجَ الْبَلَاذُرِيُّ بِسَنَدٍ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِالْحَمْلِ عَلَى الْأُصُولِ وَالْأَتْبَاعِ، وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ: كَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقِيلَ: أَقَلُّ.

قَوْلُهُ: (فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ)؛ أَيْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.

قَوْلُهُ: (فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا) اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا شَيْئًا ذَكَرَهُ فِي الْخُمُسِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ: فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا هُنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا. فَأَقَمْنَا مَعَهُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا) ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ إِلَى النَّجَاشِيِّ أَنْ يُجَهِّزَ إِلَيْهِ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُ، فَجَهَّزَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ وَقَدِمَ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ بِخَيْبَرَ، وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ مَنْ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ فَسَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ وَهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَمِنْهُمُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ وَامْرَأَتُهُ وَأَخُوهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ.

قَوْلُهُ: (فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ زَادَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ: فَأَسْهَمَ لَنَا وَلَمْ يُسْهِمْ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَهَا مَعَهُ، إِلَّا لِأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ كَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْرَكُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ نَاسٌ) سَمَّى مِنْهُمْ عُمَرَ، كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ) هِيَ زَوْجُ جَعْفَرٍ، وَقَوْلُهُ: وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا هُوَ كَلَامُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ: (عَلَى حَفْصَةَ) زَادَ أَبُو يَعْلَى: زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ: آلْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ الْبُحَيْرِيَّةُ هَذِهِ؟) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِالتَّصْغِيرِ، وَلِغَيْرِهِ: الْبَحْرِيَّةُ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى. وَوَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَنَسَبَهَا إِلَى الْحَبَشَةِ لِسُكْنَاهَا فِيهِمْ، وَإِلَى الْبَحْرِ لِرُكُوبِهَا إِيَّاهُ.

قَوْلُهُ: (وَكُنَّا فِي دَارٍ - أَوْ فِي أَرْضِ - الْبُعَدَاءِ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.

قَوْلُهُ: (الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ جَمْعُ بَغِيضٍ وَبَعِيدٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى بِالشَّكِّ: الْبُعَدَاءِ أَوِ الْبُغَضَاءِ، وَلِلنَّسَقِيِّ الْبُعُدُ بِضَمَّتَيْنِ، وَلِلْقَابِسِيِّ الْبُعْدُ الْبُعَدَاءُ الْبَغْضَاءُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَلَعَلَّهُ فَسَّرَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ، وَعِنْدَ ابْنُ سَعِيدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقَالَتْ: أَيْ لَعَمْرِي لَقَدْ صَدَقْتَ، كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيُعَلِّمُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا الْبُعَدَاءَ وَالطُّرَدَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ)؛ أَيْ لِأَجَلِهِمَا.

قَوْلُهُ: (وَايْمُ اللَّهِ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَفِيهَا لُغَاتٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.

قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ:

فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي.

قَوْلُهُ: (وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ) بِنَصْبِ أَهْلٍ الِاخْتِصَاصِ أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.

قَوْلُهُ: (هِجْرَتَانِ) زَادَ أَبُو يَعْلَى: هَاجَرْتُمْ مَرَّتَيْنِ؛ هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ، وَلِابْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رِجَالًا يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّا لَسْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ. فَقَالَ: بَلْ لَكُمْ هِجْرَتَانِ؛ هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ هَاجَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِيهِ: كَذَبَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: يَقُولُ: لِلنَّاسِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَظَاهِرُهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ مِنَ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَرْفُوعُ مِنَ الْحَدِيثِ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى لَا ذِكْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ) يَعْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى عَنْهَا فَيَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ مِثْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ.

قَوْلُهُ: (يَأْتُونَنِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: يَأْتُونَ. وَقَوْلُهُ: أَرْسَالًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ أَفْوَاجًا، أَيْ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا نَاسًا بَعْدَ نَاسٍ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى: وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى أنه لِيَسْتَعِيدُ مِنِّي هَذَا الْحَدِيثَ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى

قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي.

قَوْلُهُ: (إِنِّي لِأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ) الرُّفْقَةُ الْجَمَاعَةُ الْمُتَرَافِقُونَ، وَالرَّاءُ مُثَلَّثَةٌ وَالْأَشْهَرُ ضَمُّهَا.

قَوْلُهُ: (حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ) بِالدَّالِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالرَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَصَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيُّ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ بِالدَّالِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فَلَا مَعْنَى لِلتَّغْيِيرِ، وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ اخْتِيَارَ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْمُهْمَلَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى صَحِيحَةٌ أَوْ أَصَحُّ، وَالْمُرَادُ: يَدْخُلُونَ مَنَازِلَهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ إِلَى شُغْلٍ مَا ثُمَّ رَجَعُوا.

قَوْلُهُ: (بِالْقُرْآنِ) يَتَعَلَّقُ بِأَصْوَاتٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ مُسْتَحْسَنٌ لَكِنْ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا وَأَمِنَ مِنَ الرِّيَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ) قَالَ عِيَاضٌ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ: هُوَ صِفَةٌ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَاسْتَدْرَكَهُ عَلَى صَاحِبِ الِاسْتِيعَابِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ - أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُمَ: إِنَّ أَصْحَابِيَ يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ)؛ أَيْ تَنْتَظِرُوهُمْ، مِنَ الِانْتِظَارِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لِفَرْطِ شَجَاعَتِهِ كَانَ لَا يَفِرُّ مِنَ الْعَدُوِّ بَلْ يُوَاجِهُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ مَثَلًا: انْتَظِرُوا الْفُرْسَانَ حَتَّى يَأْتُوكُمْ؛ لِيُثَبِّتَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشِّقِّ الثَّانِي وَهُوَ

قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ: الْعَدُوَّ، وَأَمَّا عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ

قَوْلُهُ: إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا خَيْلَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا رَجَّالَةً فَكَانَ هُوَ يَأْمُرُ الْفُرْسَانَ أَنْ يَنْتَظِرُوهُمْ لِيَسِيرُوا إِلَى الْعَدُوِّ جَمِيعًا، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ أَصْحَابَهُ يُحِبُّونَ الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُبَالُونَ بِمَا يُصِيبُهُمْ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَوْلُهُ: سَمِعَ؛ أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ. وَبرِيدُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ الْأَشْعَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَدِمْنَا)؛ أَيْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَعَ جَعْفَرٍ وَمَنْ مَعَهُ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ الْفَتْحَ غَيْرَنَا) يَعْنِي الْأَشْعَرِيِّينَ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَجَعْفَر وَمَنْ مَعَهُ. وَقَدْ سَبَقَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ: وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ.

وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالَّذِي بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْأَزْدِيُّ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الْفَزَارِيُّ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ حَدِيثِ مَالِكٍ، لِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ طَرِيقَ الْمُسَيِّبِ بْنِ وَاضِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَالِكٍ) نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَرَجَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ وَحْدَهُ عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ: عَنْ ثَوْرٍ، وَلِلْبُخَارِيِّ حِرْصٌ شَدِيدٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالطُّرُقِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّحْدِيثِ، انْتَهَى. وَثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الدِّيلِيُّ، مَدَّنِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ هَذِهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَنْ بَاقِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ جَمِيعُ الْإِسْنَادِ، وَسَالِمٌ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ يُكْنَى أَبَا الْغَيْثِ وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ، وَقَدْ سُمِّيَ هُنَا. فَلَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى اسْمِهِ صَحِيحًا. وَهُوَ مَدَنِيٌّ لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ، وَابْنُ مُطِيعٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَلَيْسَتْ لِسَالِمٍ فِي الصَّحِيحِ رِوَايَةٌ عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَهُ عَنْهُ تِسْعَةُ أَحَادِيثَ تَقَدَّمَ مِنْهَا فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَفِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَنَاقِبِ.

قَوْلُهُ: (افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمُوَطَّأِ حُنَيْنٍ بَدَلَ خَيْبَرَ، وَخَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَقَالَ: خَيْبَرَ مِثْلُ الْجَمَاعَةِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَةِ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ رِوَايَةُ رواة الْمُوَطَّأِ أَعْنِي

قَوْلَهُ: خَرَجْنَا، وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ ثَوْرٍ، فَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ: وَهَمَ ثَوْرٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ وَإِنَّمَا قَدِمَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحُوهَا قَالَ: وَلَكِنْ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ، فَالْغَرَضُ مِنَ الْحَدِيثِ قِصَّةُ مِدْعَمٍ فِي غُلُولِ الشَّمْلَةِ.

قُلْتُ: وَكَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ صَاحِبَ الْمَغَازِي اسْتَشْعَرَ بِوَهْمِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْهُ بِدُونِهَا، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَرِوَايَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ الَّتِي فِي الْبَابِ تسلم مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنْ يُحْمَلَ

قَوْلُهُ: افْتَتَحْنَا أَيِ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ قَرِيبًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ

النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى فَلَعَلَّ هَذَا أَصْلُ الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ قُدُومِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بْنِ عُرْفُطَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَزَوَّدُونَا شَيْئًا حَتَّى أَتَيْنَا خَيْبَرَ وَقَدِ افْتَتَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَكَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْرَكُونَا فِي سِهَامِهِمْ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْحَصْرِ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ أَبَا مُوسَى أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْهَمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ الْوَقْعَةَ مِنْ غَيْرِ اسْتِرْضَاءِ أَحَدٍ مِنَ الْغَانِمِينَ إِلَّا لِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يُعْطِهِمْ إِلَّا عَنْ طِيبِ خَوَاطِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسَأَذْكُرُ رِوَايَةَ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو مَسْعُودٍ وَبَيَانُ مَا فِيهَا بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا غَنَمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: غَنَمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، وَعِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ: إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، وَعِنْدَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَحْدَهُ: إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ لَا تُسَمَّى مَالًا، وَقَدْ نَقَلَ ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ قَالَ: الْمَالُ عِنْدَ الْعَرَبِ الصَّامِتُ وَالنَّاطِقُ، فَالصَّامِتُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْجَوْهَرُ، وَالنَّاطِقُ الْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ، فَإِذَا قُلْتَ عَنْ حَضَرِيٍّ كَثُرَ مَالُهُ فَالْمُرَادُ الصَّامِتُ، وَإِذَا قُلْتَ عَنْ بَدْوِيٍّ فَالْمُرَادُ النَّاطِقُ، انْتَهَى.

وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْبُسْتَانِ مَالًا فَقَالَ فِي قِصَّةِ السَّلَبِ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ هُوَ وَالْقُرَشِيُّ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: فَابْتَعْتُ بِهِ مِخْرَفًا، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَالَ مَا لَهُ قِيمَةٌ، لَكِنْ قَدْ يَغْلِبُ عَلَى قَوْمٍ تَخْصِيصُهُ بِشَيْءٍ كَمَا حَكَاهُ الْمُفَضَّلُ فَتُحْمَلُ الْأَمْوَالُ عَلَى الْمَوَاشِي وَالْحَوَائِطِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ وَلَا يُرَادُ بِهَا النُّقُودُ لِأَنَّهُ نَفَاهَا أَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (إِلَى وَادِي الْقُرَى) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْبُيُوعِ.

قَوْلُهُ: (عَبْدٌ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ: عَبْدٌ أَسْوَدُ.

قَوْلُهُ: (مِدْعَمٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ بِلَفْظِ جَمْعِ الضَّبِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ بَنِي الضُّبَيْبِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ ثُمَّ الضُّبَنِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ نِسْبَةٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْ جُذَامٍ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ رِفَاعَةُ قَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَسْلَمُوا وَعَقَدَ لَهُ عَلَى قَوْمِهِ.

قَوْلُهُ: (فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَقَدِ اسْتَقْبَلَتْنَا يَهُودُ بِالرَّمْيِ، وَلَمْ نَكُنْ عَلَى تَعْبِيَةٍ.

قَوْلُهُ: (سَهْمٌ عَائِرٌ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بِوَزْنِ فَاعِلٍ؛ أَيْ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ، وَقِيلَ: الْحَائِدُ عَنْ قَصْدِهِ.

قَوْلُهُ: (بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَلَى، وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: كَلَّا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بِأَنْ تَصِيرَ الشَّمْلَةُ نَفْسَهَا نَارًا فَيُعَذَّبَ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهَا سَبَبٌ لِعَذَابِ النَّارِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الشِّرَاكِ الْآتِي ذِكْرُهُ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ) الشِّرَاكُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: سَيْرُ النَّعْلِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الْغُلُولِ، وَقَدْ مَرَّ شَرْحُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ الْقَلِيلِ مِنَ الْغُلُولِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقُلَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كَرْكَرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هُوَ فِي النَّارِ فِي عَبَاءَةٍ غَلَّهَا. وَكَلَامُ عِيَاضٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ قِصَّتَهُ مَعَ قِصَّةِ مِدْعَمٍ مُتَّحِدَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ تَغَايُرُهُمَا. نَعَمْ، عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَلَّا، إِنِّي

رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ، فَهَذَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِكَرْكَرَةَ، بِخِلَافِ قِصَّةِ مِدْعَمٍ فَإِنَّهَا كَانَتْ بِوَادِي الْقُرَى، وَمَاتَ بِسَهْمٍ عَائِرٍ، وَغَلَّ شَمْلَةً. وَالَّذِي أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ كَرْكَرَةَ هَوْذَةُ بْنُ عَلِيٍّ، بِخِلَافِ مِدْعَمٍ فَأَهْدَاهُ رِفَاعَةُ، فَافْتَرَقَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ ﷺ حَاصَرَ أَهْلَ وَادِي الْقُرَى حَتَّى فَتَحَهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ تَيْمَاءَ فَصَالَحُوهُ. وَفِي الْحَدِيثِ قَبُولُ الْإِمَامِ الْهَدِيَّةُ، فَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ فِي نَفْسِهِ أَنْ لَوْ كَانَ غَيْرُ وَالٍ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا أَرَادَ، وَإِلَّا فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا إِلَّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ حَدِيثُ هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ فَيَخُصُّ بِمَنْ أَخَذَهَا فَاسْتَبَدَّ بِهَا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ: لَهُ الِاسْتِبْدَادُ مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَدَّهَا عَلَى مُهْدِيهَا لَجَازَ، فَلَوْ كَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لَمَا رَدَّهَا، وَفِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ عُمَرَ، ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ:

قَوْلُهُ: (أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ)؛ أَيِ ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي زَيْدٌ) هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ: قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: يَعْنِي شَيْئًا وَاحِدًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَا أَحْسِبُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةً، وَلَمْ أَسْمَعْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: بَلْ هِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، لَكِنْهَا غَيْرُ فَاشِيَةٍ فِي لُغَةِ مَعْدٍ، وَقَدْ صَحَّحَهَا صَاحِبَ الْعَيْنِ وَقَالَ: ضُوعِفَتْ حُرُوفُهُ. وَقَالَ: الْبَبَّانُ الْمُعْدَمُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَيُقَالُ: هُمْ عَلَى بَبَّانٍ وَاحِدٍ؛ أَيْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: يُقَالُ: هُمْ بَبَّانٌ وَاحِدٌ؛ أَيْ شَيْءٌ وَاحِدٌ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْبَبَّانُ فِي الْمُعْدِمِ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، فَالْمَعْنَى لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَهُمْ فُقَرَاءَ مُعْدَمِينَ لَا شَيْءَ لَهُمْ؛ أَيْ مُتَسَاوِينَ فِي الْفَقْرِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ فِيمَا تَعَقَّبَهُ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ: صَوَابُهُ بَيَانًا بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ بَدَلِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّانِيَةِ؛ أَيْ شَيْئًا وَاحِدًا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِمَنْ لَا يُعْرَفُ: هُوَ هَيَّانُ بْنُ بَيَّانٍ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ مِنْ عُمَرَ ذِكْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يُفْضِّلُ فِي الْقِسْمَةِ فَقَالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَأَجْعَلَنَّ النَّاسَ بَبَّانًا وَاحِدًا، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَهَا بِالتَّسْوِيَةِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى الْحَوْلِ لَأُلْحِقَنَّ أَسْفَلَ النَّاسِ بِأَعْلَاهُمْ، وَقَدْ قَدَّمْتُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ.

(تَنْبِيهٌ): نَقَلَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَقِ حَرْفَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وَلَا اللُّغَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ الْبَبْرَ بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سَاكِنَةٍ وَهِيَ دَابَّةٌ تُعَادِي الْأَسَدَ. وَفِي الْأَعْلَامِ: بَبَّةٌ؛ بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ، لَقَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ أَمِيرِ الْكُوفَةِ.

قَوْلُهُ: (وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا لَهُمْ خِزَانَةً يَقْتسِمُونَهَا)؛ أَيْ يَقْتَسِمُونَ خَرَاجَهَا.

قَوْلُهُ في الطريق الثانية: (حَدَّثَنَا

ابْنُ مُهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) وَوَقَعَ فِي غَرَائِبِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ فِيهِ شَيْخَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ

قَوْلُهُ: بَبَّانَا وَهُوَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ)؛ أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: أَخْبَرَنِي) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ. وَعَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ؛ أَيِ ابْنُ الْعَاصِ، وَهُوَ عَمُّ وَالِدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ.

قَوْلُهُ: (إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ) هَذَا السِّيَاقُ صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُصَرَّحًا فِيهِ بِالِاتِّصَالِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ، وَفِيهِ بَيَانُ اسْمِ الْمُبْهَمِ هُنَا فِي

قَوْلِهِ: قَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدٍ، وَبَيَانُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ابْنِ قَوْقَلٍ، وَشَرْحُ مَا فِيهِ.

قَوْلُهُ: (فَسَأَلَهُ)؛ أَيْ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَنَائِمَ خَيْبَرَ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ فِي الْجِهَادِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْهِمْ لِي.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَا تُعْطِهِ) الْقَائِلُ هُوَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَاعَجْبَاهْ) فِي رِوَايَةِ السَّعِيدِيِّ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ: وَاعَجَبًا لَكَ، وَهُوَ بِالتَّنْوِينِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْجَبُ، وَوَا مِثْلُ وَاهَا، وَاعَجَبًا لِلتَّوْكِيدِ وَبِغَيْرِ التَّنْوِينِ بِمَعْنَى وَاعَجَبَى فَأُبْدِلَتِ الْكَسْرَةُ فَتْحَةً كَقَوْلِهِ: يَا أَسَفَى، وَفِيهِ شَاهِدٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ وَا فِي مُنَادَى غَيْرِ مَنْدُوبٍ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُبَرِّدِ وَاخْتِيَارُ ابْنِ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (لِوَبْرٍ تَدَلَّى مِنْ قُدُومِ الضَّأْنِ) كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَقَدْ مَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ أَتَمَّ مِنْهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحَهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ)؛ أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْهُ، وَوَصَلَهَا أَيْضًا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ أَيْضًا، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ؛ كِلَاهُمَا عَنِ الْحُمَيْدِيِّ.

قَوْلُهُ: (يُخْبِرُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ)؛ أَيِ ابْنَ أُمَيَّةَ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ تَأَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ) لَمْ أَعْرِفْ حَالَ هَذِهِ

السَّرِيَّةِ، وَأَمَّا أَبَانُ فَهُوَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ عَمُّ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ إِسْلَامُ أَبَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوَّلًا فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الشُّرُوطِ وَغَيْرِهَا أَنَّ أَبَانَ هَذَا أَجَارَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَبَلَّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كَانَتْ عَقِبَ الرُّجُوعِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّ أَبَانَ أَسْلَمَ عَقِبَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى أَمْكَنَ أَنْ يَبْعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَلِيٍّ فِي الْأَخْبَارِ سَبَبَ إِسْلَامِ أَبَانَ، فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قُتِلَ أَبِي يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَبَّانِي عَمِّي أَبَانُ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسُبُّهُ إِذَا ذُكِرَ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَرَجَعَ فَلَمْ يَسُبَّهُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ رَاهِبًا فَأَخْبَرَهُ بِصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ تَصْدِيقُهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ أَبَانَ إِلَى الشَّامِ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ حُزُمَ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ مَضْمُومَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (الَلِيفٌ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ، وَاللِّيفُ مَعْرُوفٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: اللِّيفُ؛ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ بِهَذَا)؛ أَيْ: وَأَنْتَ تَقُولُ بِهَذَا، أَوْ: وَأَنْتَ بِهَذَا الْمَكَانِ وَالْمَنْزِلَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ كَوْنِكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا مِنْ قَوْمِهِ وَلَا مِنْ بِلَادِهِ.

قَوْلُهُ: (يَا وَبْرُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ دَابَّةٌ صَغِيرَةٌ كَالسِّنَّوْرِ وَحْشِيَّةٌ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يُسَمِّي كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ حَشَرَاتِ الْجِبَالِ وَبْرًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ أَبَانُ تَحْقِيرَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَدْرِ مَنْ يُشِيرُ بِعَطَاءٍ وَلَا مَنْعٍ، وَأَنَّهُ قَلِيلُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِتَالِ، انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُلْصَقٌ فِي قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالَّذِي يَعْلَقُ بِوَبَرِ الشَّاةِ مِنَ الشَّوْكِ وَغَيْرِهِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةِ وَبَرٌ بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ: وَلَمْ يُضْبَطْ إِلَّا بِالسُّكُونِ.

قَوْلُهُ: (تَحَدَّرَ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: تَدَلَّى، وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: تَدَأْدَأَ بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، قِيلَ: أَصْلُهُ تَدَهْدَأَ، فَأُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً، وَقِيلَ: الدَّأْدَأَةُ صَوْتُ الْحِجَارَةِ فِي الْمَسِيلِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: تَدَأْرَأَ بِرَاءِ بَدَلَ الدَّالِ الثَّانِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ: تَرَدَّى وَهِيَ بِمَعْنَى تَحَدَّرَ وَتَدَلَّى، كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَهَجَّمَ عَلَيْنَا بَغْتَةً.

قَوْلُهُ: (مِنْ رَأْسٍ ضَالٍّ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِاللَّامِ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِالنُّونِ، وَقَدْ فَسَّرَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الضَّالُّ بِاللَّامِ فَقَالَ: هُوَ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ، وَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: إِنَّهُ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: الضَّالُّ سِدْرَةُ الْبَرِّ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ وَأَنَّهُ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ، وَأَمَّا قَدُومُ فَبِفَتْحِ الْقَافِ لِلْأَكْثَرِ؛ أَيْ طَرَفٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِضَمِّ الْقَافِ، وَأَمَّا الضَّانُّ فَقِيلَ: هُوَ رَأْسُ الْجَبَلِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مَوْضِعُ مَرْعَى الْغَنَمِ، وَقِيلَ: هُوَ بِغَيْرِ هَمْزةٍ، وَهُوَ جَبَلٌ لِدَوْسٍ قَوْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (يَنْعَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ؛ أَيْ يَعِيبُ عَلَى، يُقَالُ: نَعَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ أَمْرًا إِذَا عَابَهُ وَوَبَّخَهُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَامِدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ: يُعَيِّرُنِي.

قَوْلُهُ: (وَمَنَعَهُ أَنْ يُهِنِّيَ) بِالتَّشْدِيدِ، أَصْلُهُ يُهِينُنِي فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: وَمَنَعَهُ أَنْ يُهِينَنِي بِيَدِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي الْجِهَادِ، قِيلَ: وَقَعَ فِي إِحْدَى الطَّرِيقَيْنِ مَا يَدْخُلُ فِي قِسْمُ الْمَقْلُوبِ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ ابن عُيَيْنَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ السَّائِلُ أَنْ يَقْسِمَ لَهُ، وَأَنَّ أَبَانَ هُوَ الَّذِي أَشَارَ بِمَنْعِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ أَنَّ أَبَانَ هُوَ الَّذِي سَأَلَ، وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ الَّذِي أَشَارَ بِمَنْعِهِ، وَقَدْ رَجَّحَ الذُّهْلِيُّ رِوَايَةَ الزُّبَيْدِيِّ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ وُقُوعُ التَّصْرِيحِ فِي رِوَايَتِهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: يَا أَبَانُ اجْلِسْ وَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ أَبَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَشَارَ أَنْ لَا يُقْسَمَ لِلْآخَرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ احْتَجَّ عَلَى أَبَانَ بِأَنَّهُ

قَاتَلَ ابْنَ قَوْقَلٍ، وَأَبَانُ احْتَجَّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ لَهُ فِي الْحَرْبِ يَدٌ يَسْتَحِقُّ بِهَا النَّفْلَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ قَلْبٌ، وَقَدْ سَلِمَتْ رِوَايَةُ السَّعِيدِيِّ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي حَدِيثِهِ لِسُؤَالِ الْقِسْمَةِ أَصْلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٢٤٠،

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ عَائِشَةَ: أنَّ فَاطِمَةَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، وَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ زِيَادَةٌ لَمْ تُذْكَرْ هُنَاكَ فَتُشْرَحَ.

قَوْلُهُ: (وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي بَقَائِهَا بَعْدَهُ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ - وَنُقِلَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ - وَأَنَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ هُوَ

الثَّبْتُ، وَقِيلَ: عَاشَتْ بَعْدَهُ سَبْعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: شَهْرَيْنِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا. وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى أَنَّ فِي

قَوْلِهِ: وَعَاشَتْ. . . إِلَخْ إِدْرَاجًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: كَمْ عَاشَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَهُ؟ قَالَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَزَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِمُسْلِمٍ، وَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ مُسْلِمٍ هَكَذَا، بَلْ فِيهِ كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَوْصُولًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ) رَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْعَبَّاسِ صَلَّى عَلَيْهَا، وَمِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّهَا دُفِنَتْ لَيْلًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهَا لِإِرَادَةِ الزِّيَادَةِ فِي التَّسَتُّرِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُعْلِمْ أَبَا بَكْرٍ بِمَوْتِهَا؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَنْهُ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهَا وَلَا صَلَّى عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الدَّفْنِ لَيْلًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِهِ: إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ)؛ أَيْ كَانَ النَّاسَ يَحْتَرِمُونَهُ إِكْرَامًا لِفَاطِمَةِ، فَلَمَّا مَاتَتْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَدَمِ الْحُضُورِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ قَصَرَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ الِاحْتِرَامِ لِإِرَادَةِ دُخُولِهِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: لَمَّا جَاءَ وَبَايَعَ كَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَيْهِ حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْذِرُونَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي مُدَّةِ حَيَاةِ فَاطِمَةَ لِشَغْلِهِ بِهَا وَتَمْرِيضِهَا وَتَسْلِيَتِهَا عَمَّا فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ عَلَى أَبِيهَا ﷺ ولِأَنَّهَا لَمَّا غَضِبَتْ مِنْ رَدِّ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهَا فِيمَا سَأَلَتْهُ مِنَ الْمِيرَاثِ رَأَى عَلِيٌّ أَنْ يُوَافِقَهَا فِي الِانْقِطَاعِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرِ)؛ أَيْ فِي حَيَاةِ فَاطِمَةَ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: الْعُذْرُ لِعَلِيٍّ فِي تَخَلُّفِهِ مَعَ مَا اعْتَذَرَ هُوَ بِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي بَيْعَةِ الْإِمَامِ أَنْ يَقَعَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ، وَلَا يَلْزَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، بَلْ يَكْفِي الْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِأَنْ لَا يُخَالِفَهُ وَلَا يَشُقَّ الْعَصَا عَلَيْهِ، وَهَذَا كَانَ حَالُ عَلِيٍّ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إِلَّا التَّأَخُّرُ عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ سَبَبَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (كَرَاهِيَةً لِيَحْضُرَ عُمَرُ) فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ: لِمَحْضَرِ عُمَرَ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا أَلِفُوهُ مِنْ قُوَّةِ عُمَرَ وَصَلَابَتِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَقِيقًا لَيِّنًا، فَكَأَنَّهُمْ خَشَوْا مِنْ حُضُورِ عُمَرَ كَثْرَةَ الْمُعَاتَبَةِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى خِلَافِ مَا قَصَدُوهُ مِنَ الْمُصَافَاةِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ)؛ أَيْ لِئَلَّا يَتْرُكُوا مِنْ تَعْظِيمِكَ مَا يَجِبُ لَكَ.

قَوْلُهُ: (وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي؟) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِي هَذَا شَاهِدٌ عَلَى صِحَّةِ تَضْمِينِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ مَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ وَإِجْرَائِهِ مَجْرَاهُ فِي التَّعْدِيَةِ، فَإِنَّ عَسَيْتَ فِي هَذَا الْكَلَامِ بِمَعْنَى حَسِبْتَ وَأُجْرِيَتْ مَجْرَاهَا فَنَصَبْتَ ضَمِيرَ الْغَائِبِينَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ عَارِيًا مِنْ أَنْ لَكِنْ جِيءَ بِهَا لِئَلَّا تَخْرُجَ عَسَى عَنْ مُقْتَضَاهَا بِالْكُلِّيَّةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ أَنْ قَدْ تَسُدُّ بِصِلَتِهَا مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبْتَ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ مَجِيئُهَا بَعْدَ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ بَدَلًا مِنْهُ. قَالَ: وَيَجُوزُ جَعْلُ مَا عَسَيْتَهُمْ حَرْفَ خِطَابٍ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ اسْمُ عَسَى، وَالتَّقْدِيرُ مَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ نَنْفَسُ؛ أَيْ لَمْ نَحْسُدْكَ عَلَى الْخِلَافَةِ، يُقَالُ: نَفِسْتُ بِكَسْرِ الْفَاءِ أَنْفَسُ بِالْفَتْحِ نَفَاسَةً. وَقَوْلُهُ: اسْتَبْدَدْتَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: وَاسْتَبَدْتَ بِدَالٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَأُسْقِطَتِ الثَّانِيَةُ تَخْفِيفًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أَصْلُهُ ظَلَلْتُمْ، أَيْ لَمْ تُشَاوِرْنَا، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْخِلَافَةُ.

قَوْلُهُ: (وَكُنَّا نُرَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ.

قَوْلُهُ: (لِقَرَابَتِنَا)؛ أَيْ لِأَجْلِ قَرَابَتِنَا (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصِيبًا)؛ أَيْ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى فَاضَتْ)؛ أَيْ لَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ مِنَ الرِّقَّةِ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَلَعَلَّ عَلِيًّا أَشَارَ إِلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَبَدَّ عَلَيْهِ

بِأُمُورٍ عِظَامٍ كَانَ مِثْلُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَهُ فِيهَا وَيُشَاوِرَهُ، أَوْ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَشِرْهُ فِي عَقْدِ الْخِلَافَةِ لَهُ أَوَّلًا، وَالْعُذْرُ لِأَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ التَّأَخُّرِ عَنِ الْبَيْعَةِ الِاخْتِلَافَ؛ لِمَا كَانَ وَقَعَ مِنَ الْأَنْصَارِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ السَّقِيفَةِ فَلَمْ يَنْتَظِرُوهُ.

قَوْلُهُ: (شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)؛ أَيْ وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ)؛ أَيِ الَّتِي تَرَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ آلُ)؛ أَيْ: لَمْ أُقَصِّرْ.

قَوْلُهُ: (مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ) بِالْفَتْحِ، وَيَجُوزُ الضَّمُّ؛ أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ.

قَوْلُهُ: (رَقِيَ الْمِنْبَرَ) بِكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ؛ أَيْ عَلَا. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رَآهُ فِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْقَافِ بَعْدَهَا أَلِفٌ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.

قَوْلُهُ: (وَعَذَرَهُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالذَّالِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ وَذَكَرَ.

قَوْلُهُ: (وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقِيَّتَهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا)؛ أَيْ كَانَ وُدُّهُمْ لَهُ قَرِيبًا (حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ)؛ أَيْ مِنَ الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنْ تَأَمَّلَ مَا دَارَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ مِنَ الْمُعَاتَبَةِ وَمِنَ الِاعْتِذَارِ وَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنَ الْإِنْصَافِ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِ الْآخَرِ، وَأَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً عَلَى الِاحْتِرَامِ وَالْمَحَبَّةِ، وَإِنْ كَانَ الطَّبْعُ الْبَشَرِيُّ قَدْ يَغْلِبُ أَحْيَانًا لَكِنَّ الدِّيَانَةَ تَرُدُّ ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَقَدْ تَمَسَّكَ الرَّافِضَةُ بِتَأَخُّرِ عَلِيٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنْ مَاتَتْ فَاطِمَةُ، وَهَذَيَانُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُدْفَعُ فِي حُجَّتِهِمْ، وَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ: عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: لَمْ يُبَايِعْ عَلِيٌّ، أَبَا بَكْرٍ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُسْنِدْهُ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَصَحُّ، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ بَايَعَهُ بَيْعَةً ثَانِيةً مُؤَكِّدَةً لِلْأُولَى لِإِزَالَةِ مَا كَانَ وَقَعَ بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ لَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ عَلَى إِرَادَةِ الْمُلَازَمَةِ لَهُ وَالْحُضُورِ عِنْدَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي انْقِطَاعِ مِثْلِهِ عَنْ مِثْلِهِ مَا يُوهِمُ مَنْ لَا يَعْرِفُ بَاطِنَ الْأَمْرِ أَنَّهُ بِسَبَبِ عَدَمِ الرِّضَا بِخِلَافَتِهِ فَأَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ أَظْهَرَ عَلِيٌّ الْمُبَايَعَةَ الَّتِي بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ ﵍ لِإِزَالَةِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي حَرَمِيٌّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ؛ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَارَةَ شَيْخُ شَيْخِهِ، وَعُمَارَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَعِكْرِمَةُ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَيْسَ لِعِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرٌ سَبَقَ فِي الطَّهَارَةِ، وَثَالِثٌ يَأْتِي فِي اللِّبَاسِ.

قَوْلُهُ: (قُلْنَا: الْآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ)؛ أَيْ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ النَّخِيلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ فَتْحِهَا فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ.

الْحَدِيثُ الثَّلَاثُونَ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ، وَقَالَ الْكَلَابَاذِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ الزَّعْفَرَانِيُّ. وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَقَالَ: هُوَ الْحَسَنُ بْنُ شُجَاعٍ، يَعْنِي الْبَلْخِيَّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، وَمَاتَ

قَبْلَهُ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَهُوَ شَابٌّ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّمَرِ حَدِيثٌ آخَرُ عَنِ الْحَسَنِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ فَقِيلَ أَيْضًا إِنَّهُ هُوَ، وَقُرَّةُ بْنُ حَبِيبٍ أَيِ ابْنِ يَزِيدَ الْقَنَوِيُّ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ - نِسْبَةٌ إِلَى بَيْعِ الْقَنَا وَهِيَ الرِّمَاحُ، وَكَذَا يُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الرِّمَاحُ، وَهُوَ قُشَيْرِيُّ النَّسَبِ بَصْرِيٌّ، أَصْلُهُ مِنْ نَيْسَابُورَ، وَقَدْ لَقِيَهُ الْبُخَارِيُّ وَحَدَّثَ عَنْهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتْحَنَا خَيْبَرَ) يُؤَيِّدُ حَدِيثَ عَائِشَةَ الَّذِي قَبْلَهُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.