بَاب غَزْوَةِ خَيْبَرَ
أحاديث الباب: 4195، 4196، 4197، 4198، 4199، 4200، 4201، 4202، 4203، 4205، 4206، 4207، 4208، 4209، 4210، 4211، 4212، 4213، 4214، 4215، 4216، 4217، 4218، 4219، 4220، 4221
قَوْلُهُ: (بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) بِمُعْجَمَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ وَمُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، وَهِيَ مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذَاتُ حُصُونٍ وَمَزَارِعَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْبَكْرِيُّ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ رَجُلٍ مِنَ الْعَمَالِيقِ نَزَلَهَا، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَقِيَّةِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ فَأَقَامَ يُحَاصِرُهَا بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إِلَى أَنْ فَتَحَهَا فِي صَفَرٍ، وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ قَالَا: انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَتْحِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ فِيهَا خَيْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾؛ يَعْنِي خَيْبَرَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْحَجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى سَارَ إِلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ. وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ.
وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَقَامَ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ لَيَالٍ، وَفِي مَغَازِي سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: أَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ ابْنِ الْحَصَّارِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالرَّاجِحُ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ سَنَةَ سِتٍّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّنَةِ مِنْ شَهْرِ الْهِجْرَةِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ - وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ - أَنَّهَا كَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى، فَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ فِي صَفَرٍ، وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ لِثَمَانِ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ
الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّهُ خَطَأٌ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ إِلَى حُنَيْنٍ فَتَصَحَّفَتْ، وَتَوْجِيهُهُ بِأَنَّ غَزْوَةَ حُنَيْنٍ كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَغَزْوَةُ الْفَتْحِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا فِي رَمَضَانَ جَزْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقَةِ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَلَعَلَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ الْخَنْدَقِ إِلَى خَيْبَرَ.
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّهُ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ نُمَيْلَةَ - بِنُونٍ مُصَغَّرٌ - ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سِبَاعُ بْنُ عُرْفُطَةَ وَهُوَ أَصَحُّ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ - وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ - أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الطَّهَارَةِ. وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى خَيْبَرَ كَانَتْ عَلَى طَرِيقِ الصَّهْبَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا.
الحديث الثاني حديث سلمة بن الأكوع:
قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَسِرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرٍ: يَا عَامِرُ، أَلَا تُسْمِعُنَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ دَهْرٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي مَسِيرِهِ إِلَى خَيْبَرَ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ - وَهُوَ عَمُّ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَاسْمُ الْأَكْوَعِ سِنَانٌ: انْزِلْ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ فَاحْدُ لَنَا مِنْ هُنَيَّاتِكَ فَفِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْهَاءِ الثَّانِيَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْهُنَيْهَاتُ جَمْعُ هُنَيْهَةٍ، وَهِيَ تَصْغِيرُ هَنَةٍ؛ كَمَا قَال فِي تَصْغِيرِ سَنَةٍ: سُنَيْهَةٌ. وَوَقَعَ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ: لَوْ أَسْمَعْتَنَا مِنْ هَنَاتِكَ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا) قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجَزَ مِنْ أَقْسَامِ الشِّعْرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ عَامِرٌ حِينَئِذٍ مِنَ الرَّجَزِ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا)
فِي هَذَا الْقَسَمِ زِحَافُ الْخَزْمِ بِمُعْجَمَتَيْنِ؛ وَهُوَ زِيَادَةُ سَبَبٍ خَفِيفٍ فِي أَوَّلِهِ، وَأَكْثَرُهَا أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وأَنَّهُ مِنْ شِعْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَعَامِرٌ تَوَارَدَا عَلَى مَا تَوَارَدَا مِنْهُ، بِدَلِيلِ مَا وَقَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِمَّا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، أَوِ اسْتَعَانَ عَامِرٌ بِبَعْضِ مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ ابْنُ رَوَاحَةَ.
قَوْلُهُ: (فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اتَّقَيْنَا) أَمَّا قَوْلُهُ فِدَاءً فَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالْمَدِّ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فَتْحَ أَوَّلِهِ مَعَ الْقَصْرِ وَزَعَمَ أَنَّهُ هُنَا بِالْكَسْرِ مَعَ الْقَصْرِ لِضَرُورَةِ الْوَزْنِ، وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَتَّزِنُ إِلَّا بِالْمَدِّ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا الْكَلَامُ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي حَقِّ اللَّهِ، إِذْ مَعْنَى فِدَاءً لَكَ: نَفْدِيكَ بِأَنْفُسِنَا، وَحُذِفَ مُتَعَلِّقِ الْفِدَاءِ لِلشُّهْرَةِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْفِدَاءُ لِمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ. وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ لَا يُرَادُ بِهَا ظَاهِرُهَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْمَحَبَّةُ وَالتَّعْظِيمُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ. وَقِيلَ: الْمُخَاطَبُ بِهَذَا الشِّعْرِ النَّبِيُّ ﷺ، وَالْمَعْنَى: لَا تُؤَاخِذْنَا بِتَقْصِيرِنَا فِي حَقِّكَ وَنَصْرِكَ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الدُّعَاءَ، وَإِنَّمَا افْتَتَحَ بِهَا الْكَلَامَ، وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: لَوْلَا أَنْتَ النَّبِيُّ ﷺ. . . إِلَخْ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فَإِنَّهُ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَاسْأَلْ رَبَّكَ أَنْ يُنْزِلَ وَيُثَبِّتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا
قَوْلُهُ: مَا اتَّقَيْنَا فَبِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا قَافٌ لِلْأَكْثَرِ، وَمَعْنَاهُ مَا تَرَكْنَا مِنَ الْأَوَامِرِ، وَمَا ظَرْفِيَّةٌ. وَلِلْأَصِيلِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ؛ أَيْ مَا خَلَّفْنَا وَرَاءَنَا مِمَّا اكْتَسَبْنَا مِنَ الْآثَامِ، أَوْ مَا أَبْقَيْنَاهُ وَرَاءَنَا مِنَ الذُّنُوبِ فَلَمْ نَتُبْ مِنْهُ. وَلَلْقَابِسِيِّ: مَا لَقِينَا بِاللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَالْمَعْنَى: مَا وَجَدْنَا مِنَ الْمَنَاهِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ
كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مَا اقْتَفَيْنَا بِقَافٍ سَاكِنَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ؛ أَيْ تَبِعْنَا مِنَ الْخَطَايَا مِنْ قَفَوْتُ الْأَثَرَ إِذَا اتَّبَعْتُهُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ وَهِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الرَّجَزِ.
قَوْلُهُ: (وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: وَأَلْقِ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا بِحَذْفِ النُّونِ وَبِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِي السَّكِينَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَلَيْسَ بِمَوْزُونٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا) بِمُثَنَّاةٍ؛ أَيْ جِئْنَا إِذَا دُعِينَا إِلَى الْقِتَالِ أَوْ إِلَى الْحَقِّ، وَرُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ، كَذَا رَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فَالْمَعْنَى: إِذَا دُعِينَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ امْتَنَعْنَا.
قَوْلُهُ: (وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا)؛
أَيْ قَصَدُونَا بِالدُّعَاءِ بِالصَّوْتِ الْعَالِي وَاسْتَغَاثُوا عَلَيْنَا، تَقُولُ: عَوَّلْتُ عَلَى فُلَانٍ وَعَوَّلْتُ بِفُلَانٍ بِمَعْنَى اسْتَغَثْتُ بِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَعْنَى أَجَلَبُوا عَلَيْنَا بِالصَّوْتِ، وَهُوَ مِنَ الْعَوِيلِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ عَوَّلُوا بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّعْوِيلِ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْعَوِيلِ لَكَانَ أَعْوَلُوا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي هَذَا الرَّجَزِ مِنَ الزِّيَادَةِ:
إِنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا
وَهَذَا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: فَجَعَلَ عَامِرٌ يَرْتَجِزُ وَيَسُوقُ الرِّكَابَ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتَهُمْ إِذَا أَرَادُوا تَنْشِيطَ الْإِبِلِ فِي السَّيْرِ يَنْزِلُ بَعْضُهُمْ فَيَسُوقُهَا وَيَحْدُو فِي تِلْكَ الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ: قَالَ: غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ، وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يَظْهَرُ السِّرُّ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ!.
قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ!) اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ عُمَرُ، سَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، وَلَفْظُهُ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِعَامِرٍ!، وَفِي حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ دَهْرٍ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَعْنَى
قَوْلِهِ: لَوْلَا، أَيْ: هَلَّا، وَأَمْتَعْتَنَا، أَيْ: مَتَّعْتَنَا؛ أَيْ أَبْقَيْتَهُ لَنَا لِنَتَمَتَّعَ بِهِ، أَيْ بِشَجَاعَتِهِ، وَالتَّمَتُّعُ التَّرَفُّهُ إِلَى مُدَّةٍ، وَمِنْهُ: أَمْتَعَنِي اللَّهُ بِبَقَائِكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ)؛ أَيْ أَهْلَ خَيْبَرَ.
قَوْلُهُ: (فَحَاصَرْنَاهُمْ) ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ حَاصَرُوهُ فَفُتِحَ حِصْنُ نَاعِمٍ، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ) بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ؛ أَيْ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ قِصَّةِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ سَيْفُ عَامِرٍ قَصِيرًا، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ) فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ يَقُولُ:
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قَالَ: فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَامِرٌ فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ … شَاكِّي السِّلَاحَ بَطَلٌ مُغَامِرُ
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، فَصَارَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ؛ أَيْ يَضْرِبُهُ مِنْ أَسْفَلَ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ - أَيْ عَامِرٌ - عَلَى نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ)؛ أَيْ طَرَفُهُ الْأَعْلَى، وَقِيلَ: حَدُّهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَةِ عَامِرٍ)؛ أَيْ طَرَفَ رُكْبَتِهِ الْأَعْلَى فَمَاتَ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ: فَأُصِيبَ عَامِرٌ بِسَيْفِ نَفْسِهِ فَمَاتَ، وَفِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَكَلَمَهُ كَلْمًا شَدِيدًا فَمَاتَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَفَلُوا مِنْ خَيْبَرَ)؛ أَيْ رَجَعُوا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ آخِذٌ يَدَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بِيَدَيَّ، وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ:
رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَاحِبًا بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ؛ أَيْ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ. وَفِي رِوَايَةِ إِيَاسٍ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي.
قَوْلُهُ: (زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبَطَ عَمَلُهُ) فِي رِوَايَةِ إِيَاسٍ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؛ قَتَلَ نَفْسَهُ وَسَمَّى مِنَ الْقَائِلِينَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ الْآتِيَةِ فِي الْأَدَبِ وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ شَكُّوا فِيهِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا قَتَلَهُ سِلَاحُهُ، وَنَحْوَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ: (كَذَبَ مَنْ قَالَهُ)؛ أَيْ أَخْطَأَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَأَجْرَيْنِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنَّهُ لَشَهِيدٌ، وَصَلَّى عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فِيهِمَا وَكَسْرِ الْهَاءِ وَالتَّنْوِينِ، وَالْأَوَّلُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِ، وَالثَّانِي اتِّبَاعٌ لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا قَالُوا: جَادٌّ مُجِدٌّ. وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْبَاجِيُّ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ. قُلْتُ: يُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ: مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: رَجُلٌ جَاهِدٌ؛ أَيْ جَادٌّ فِي أُمُورِهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْجَاهِدُ مَنْ يَرْتَكِبُ الْمَشَقَّةَ، وَمُجَاهِدٌ؛ أَيْ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْمِيمِ وَالْقَصْرِ مِنَ الْمَشْيِ، وَالضَّمِيرُ لِلْأَرْضِ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوِ الْحَرْبِ أَوِ الْخَصْلَةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ قُتَيْبَةُ: نَشَأَ)؛ أَيْ بِنُونٍ وَبِهَمْزَةٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ قُتَيْبَةَ رَوَاهُ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَخَالَفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ. وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ فِي الْأَدَبِ عِنْدَهُ، وَغَفَلَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فَرَوَاهَا هُنَالِكَ بِالْمِيمِ وَالْقَصْرِ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: مُشَابِهًا؛ بِضَمِّ الْمِيمِ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الشُّبْهَ، أَيْ لَيْسَ لَهُ مُشَابِهٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الْقِتَالِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: رَأَيْتُهُ مُشَابِهًا، أَوْ عَلَى الْحَالِ مِنْ
قَوْلِهِ: عَرَبِيٌّ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالْحَالُ مِنَ النَّكِرَةِ يَجُوزُ إِذَا كَانَ فِي تَصْحِيحِ مَعْنًى. قَالَ السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا: وَرَوَى قَلَّ عَرَبِيًّا نَشَأَ بِهَا مِثْلُهُ وَالْفَاعِلُ مِثْلُهُ، وَعَرَبِيًّا مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى الْمَدْحِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ: عَظُمَ زَيْدٌ رَجُلًا، وَقَلَّ زَيْدٌ أَدَبًا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ، ذَكَرَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ:
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (أَتَى خَيْبَرَ لَيْلًا)؛ أَيْ قَرُبَ مِنْهَا، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ نَزَلَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: الرَّجِيعُ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَطَفَانَ؛ لِئَلَّا يَمُدُّوهُمْ، وَكَانُوا حُلَفَاءَهُمْ. قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ غَطَفَانَ تَجَهَّزُوا وَقَصَدُوا خَيْبَرَ، فَسَمِعُوا حِسًّا خَلْفَهُمْ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ خَلَفُوهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، فَرَجَعُوا فَأَقَامُوا وَخَذَلُوا أَهْلَ خَيْبَرَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُغْرِ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ الْإِغَارَةِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي: لَمْ يَقْرَبْهُمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ: لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْجُمْهُورِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: كَانَ إِذَا غَزَا لَمْ يَغْزُ بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِلَّا أَغَارَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ. وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ سَمِعُوا بِقَصْدِهِ لَهُمْ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُتَسَلِّحِينَ مُسْتَعِدِّينَ، فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا. حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ نَامُوا فَلَمْ تَتَحَرَّكْ لَهُمْ دَابَّةٌ وَلَمْ يَصِحْ لَهُمْ دِيكٌ، وَخَرَجُوا بِالْمَسَاحِي طَالِبِينَ مَزَارِعَهُمْ فَوَجَدُوا الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَتْ يَهُودُ) زَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: إِلَى زُرُوعِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بِمَسَاحِيهِمْ) بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ مِسْحَاةٍ، وَهِيَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْثِ (وَمَكَاتِلِهِمْ) جَمْعُ مِكْتَلٍ، وَهُوَ الْقُفَّةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي يُحَوَّلُ فِيهَا التُّرَابُ وَغَيْرُهُ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ السَّحَرِ وَذَهَبَ ذُو الزَّرْعِ إِلَى زَرْعِهِ وَذُو الضَّرْعِ إِلَى ضَرْعِهِ أَغَارَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَنَسٍ: وَالْخَمِيسُ يَعْنِي الْجَيْشَ، وَعُرِفَ الْمُرَادُ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ، وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَفِيهِ: يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ: وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ. وَعُرِفَ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ اللَّفْظَ هُنَاكَ لِثَابِتٍ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الْإِدْرَاجِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَزَادَ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ: فَلَجَئُوا إِلَى الْحِصْنِ؛ أَيْ تَحَصَّنُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: (خَرِبَتْ خَيْبَرُ) زَادَ فِي الْجِهَادِ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، وَزِيَادَةُ التَّكْبِيرِ فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ التَّفَاؤُلُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا رَأَى آلَاتِ الْهَدْمِ - مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْمِسْحَاةِ مِنْ سَحَوْتُ إِذَا قَشَّرْتُ - أُخِذَ مِنْهُ أَنَّ مَدِينَتَهُمْ سَتَخْرَبُ، انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ: خَرِبَتْ خَيْبَرُ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ.
وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ: صَبَّحْنَا خَيْبَرَ بُكْرَةً لَا يُغَادرُ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ قَدِمُوهَا لَيْلًا، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ لَمَّا قَدِمُوهَا وَنَامُوا دُونَهَا رَكِبُوا إِلَيْهَا بُكْرَةً فَصَبَّحُوهَا بِالْقِتَالِ وَالْإِغَارَةِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ وَاضِحًا، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قِصَّةَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَلَيْسَ هُوَ وَالِدَ الرَّاوِي عِنْه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ عَبْدَرِيٌّ حَجَيٌّ لَا ثَقَفِيٌّ.
قَوْلُهُ: (يَنْهَيَانِكُمْ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ: يَنْهَاكُمْ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِالتَّثْنِيَةِ،
وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ اسْمِ اللَّهِ مَعَ غَيْرِهِ فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ، فَيُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ لِلْخَطِيبِ: بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ لِكَوْنِهِ قَالَ: وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَبَاحِثِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: صَوَابُهُ فَكُفِّئَتْ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ قَلَبْتُهُ، وَلَا يُقَالُ: أَكْفَأْتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أُمِيلَتْ حَتَّى أُزِيلَ مَا فِيهَا. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَكْفَأْتُ الْإِنَاءَ أَمَلْتُهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ) تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مَعَ ثَابِتٍ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجُوا يَسْمعَوْنَ فِي السِّكَكِ، فَقَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ) فِيهِ اخْتِصَارٌ كَبِيرٌ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَقِبَ الْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ عَلَى مُحَاصَرَتِهِمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ: إِنَّهُمْ أَصَابَتْهُمْ مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى طُولِ مُدَّةِ الْحِصَارِ، إِذْ لَوْ وَقَعَ الْفَتْحُ مِنْ يَوْمِهِمْ لَمْ يَقَعْ لَهُمْ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْآتِيَيْنِ قَرِيبًا فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ مَا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُمْ حَاصَرُوهُمْ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا فِي ذِكْرِ صَفِيَّةَ، ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقِيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا سِيَاقًا. وَصْفِيَّةُ هِيَ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ بْنِ سَعْيَةَ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ - ابْنُ عَامِرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كَعْبٍ، مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى ﵉، وَأُمُّهَا بَرَّةُ بِنْتُ شَمْوَالَ مِنْ بَنِي قُرَيْظ ةَ، وَكَانَتْ تَحْتَ سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمِ الْقُرَظِيِّ ثُمَّ فَارَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ النَّضِيرِيُّ فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ وَأَسْنَدَ بَعْضَهُ مِنْ وَجْهٍ مُرْسَلٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَصَارَتْ إِلَى دِحْيَةَ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ: فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ: أَعْطِنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ. قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً. فَأَخَذَ صَفِيَّةَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ؟ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ. قَالَ: ادْعُوهُ بِهَا. فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ صَفِيَّةَ سُبِيَتْ مِنْ حِصْنِ الْقَمُوصِ وَهُوَ حِصْنُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنِ
الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَسُبِيَ مَعَهَا بِنْتُ عَمِّهَا - وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِنْتُ عَمِّ زَوْجِهَا - فَلَمَّا اسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ ﷺ صَفِيَّةَ مِنْ دِحْيَةَ أَعْطَاهُ بِنْتَ عَمِّهَا.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ دِحْيَةَ قَبْلَ الْقَسْمِ، وَالَّذِي عَوَّضَهُ عَنْهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْبَيْعِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ النَّفْلِ.
قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ صَفِيَّةَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا فِيهِ: فَاشْتَرَاهَا مِنْ دِحْيَةَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، فَالْأَوْلَى فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِسَهْمِهِ هُنَا نَصِيبُهُ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُعْطِيَهُ جَارِيَةً فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَةً، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ. فَلَمَّا قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّهَا بِنْتُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ تُوهَبُ لِدِحْيَةَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مِثْلَ دِحْيَةَ وَفَوْقَهُ، وَقِلَّةِ مَنْ كَانَ فِي السَّبْيِ مِثْلَ صَفِيَّةَ فِي نَفَاسَتِهَا، فَلَوْ خَصَّهُ بِهَا لَأَمْكَنَ تَغَيُّرُ خَاطِرِ بَعْضِهِمْ، فَكَانَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ارْتِجَاعُهَا مِنْهُ وَاخْتِصَاصُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِضَا الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مِنْ شَيْءٍ. وَأَمَّا إِطْلَاقُ الشِّرَاءِ عَلَى الْعِوَضِ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَلَعَلَّهُ عَوَّضَهُ عَنْهَا بِنْتَ عَمِّهَا أَوْ بِنْتَ عَمِّ زَوْجِهَا فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ فَأَعْطَاهُ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْيِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ.
وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ - وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ: صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ، فَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَى بِهَا دِحْيَةَ مَا رَضِيَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَيَأْتِي تَمَامُ قِصَّتِهَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.ﷺ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ: فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ كَوْنِهَا خَيْبَرَ، لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلٍ مُتَّحِدَةٌ مَعَ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِخَيْبَرَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي سِيَاقِ سَهْلٍ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ اتَّكَأَ عَلَى حَدِّ سَيْفِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَفِي سِيَاقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ أَسْهُمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ.
وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمْ لَمَّا أَخْبَرُهُ بِقِصَّتِهِ: إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ لَمَّا أَخْبَرُهُ بِقِصَّتِهِ: قُمْ يَا بِلَالُ فَأَذِّنْ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلِهَذَا جَنَحَ ابْنُ التِّينِ إِلَى التَّعَدُّدِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ فِي الْمُغَايِرَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَحَرَ نَفْسَهُ بِأَسْهُمِهِ فَلَمْ تَزْهَقْ رُوحُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ فَاتَّكَأَ حِينَئِذٍ عَلَى سَيْفِهِ اسْتِعْجَالًا لِلْمَوْتِ، لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُشْكِلِهِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي حَكَاهَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَقَعَتْ بِأُحُدٍ، قَالَ: وَاسْمُ الرَّجُلِ قُزْمَانُ الظُّفُرِيُّ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَيَّرَهُ النِّسَاءُ، فَخَرَجَ حَتَّى صَارَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ، ثُمَّ صَارَ إِلَى السَّيْفِ فَفَعَلَ الْعَجَائِبَ، فَلَمَّا انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: الْمَوْتُ أَحْسَنُ مِنَ الْفِرَارِ. فَمَرَّ بِهِ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا لَكَ بالشَّهَادَةُ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي مَا قَاتَلْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنَّمَا قَاتَلْتُ عَلَى حَسَبِ قَوْمِي. ثُمَّ أَقْلَقَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ أَخَذَهُ مِنْ مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ وَهُوَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ! نَعَمْ، أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي حَازِمٍ حَدِيثَ الْبَابِ، وَأَوَّلُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا أَبْلَى فُلَانٌ، لَقَدْ فَرَّ النَّاسُ وَمَا فَرَّ، وَمَا تَرَكَ لِلْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً. . . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عَلَى نَحْوِ مَا فِي الصَّحِيحِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَتُهُ، وَسَعِيدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَا أَظُنُّ رِوَايَتَهُ خَفِيَتْ عَلَى الْبُخَارِيِّ، وَأَظُنُّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ أُحُدٍ؛ لِأَنَّ سَهْلًا مَا كَانَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ لِصِغَرِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَيَكُونُ فِي أُحُدٍ ابْنَ عَشَرَةٍ أَوْ إِحْدَى عَشَرَةٍ، عَلَى أَنَّهُ قد حَفِظَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ أُحُدٍ مِثْلَ غَسْلِ فَاطِمَةَ جِرَاحَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: غَزَوْنَا إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا سَيَأْتِي لِأَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ يَدْفَعُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ)؛ أَيْ رَجَعَ بَعْدَ فَرَاغِ الْقِتَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ) وَقَعَ فِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ اسْمَهُ قُزْمَانُ - بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الزَّايِ - الظُّفُرَيُّ - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - نِسْبَةً إِلَى بَنِي ظُفُرٍ بَطْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْغَيْدَاقِ - بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَآخِرُهُ قَافٌ - وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً) الشَّاذَّةُ بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ مَا انْفَرَدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَبِالْفَاءِ مِثْلُهُ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِمْ، ثُمَّ هُمَا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ نَسَمَةً، وَالْهَاءُ فِيهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْقَى شَيْئًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالشَّاذِّ وَالْفَاذِّ مَا كَبُرَ وَصَغُرَ، وَقِيلَ: الشَّاذُّ الْخَارِجُ، وَالْفَاذُّ الْمُنْفَرِدُ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَقِيلَ: الثَّانِي إِتْبَاعٌ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ)؛ أَيْ قَائِلٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ فَقَالُوا، وَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَفْظِ: فَقِيلَ، وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَقُلْتُ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً عُرِفَ اسْمُ قَائِلِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَا أَجْزَأَ) بِالْهَمْزَةِ؛ أَيْ مَا أَغْنَى.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالُوا: أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ!. وَفِي حَدِيثِ أَكْثَمَ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فُلَانٌ
يُجْزِئُ فِي الْقِتَالِ. فقَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ فُلَانٌ فِي عِبَادَتِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَلِينِ جَانِبِهِ فِي النَّارِ، فَأَيْنَ نَحْنُ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَخَبَاثُ النِّفَاقِ. قَالَ: فَكُنَّا نَتَحَفَّظُ عَلَيْهِ فِي الْقِتَالِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ: لَأَتْبَعَنَّهُ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَكْثَمُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِهِ.
قَوْلُهُ: (فَجُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا) زَادَ فِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِ اسْتُشْهِدَ فُلَانٌ. قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ.
قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ: فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: أَخَذَ سَيْفَهُ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: تُدْرِكُهُ الشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِهَا، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْكَلَامِ الْأَخِيرِ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
قَوْلُهُ: (شَهِدْنَا خَيْبَرَ) أَرَادَ جَيْشَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ الثَّابِتَ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ مُعْظَمِ خَيْبَرَ فَحَضَرَ فَتْحَ آخِرِهَا، لَكِنْ مَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحَهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْهِمْ لِي، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ آخِرَ هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ)؛ أَيْ عَنْ رَجُلٍ، وَاللَّامُ قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى عَنْ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فِي؛ أَيْ فِي شَأْنِهِ أَيْ سَبَبِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
قَوْلُهُ: (فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِي الْجِهَادِ: فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَفِيهِ دُخُولُ أَنْ عَلَى خَبَرِ كَادَ، وَهُوَ جَائِزٌ مَعَ قِلَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (قُمْ يَا فُلَانُ) هُوَ بِلَالٌ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْقَدَرِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَيُؤَيِّدُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ فِي أنَّ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُهَا.
قَوْلُهُ: (بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ قُزْمَانُ الْمَذْكُورُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مَعْمَرٌ)؛ أَيْ تَابَعَ شُعَيْبًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْجِهَادِ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شَبِيبٌ)؛ أَيِ ابْنُ سَعِيدٍ (عَنْ يُونُسَ)؛ أَيِ ابْنِ يَزِيدَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)؛ أَيِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قَوْلُهُ: (شَهِدْنَا حُنَيْنًا) يُرِيدُ أَنَّ يُونُسَ خَالَفَ مَعْمَرًا، وَشُعَيْبًا فَذَكَرَ بَدَلَ خَيْبَرَ لَفْظَةَ: حُنَيْنٍ، وَرِوَايَةُ شَبِيبٍ هَذِهِ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى طَرَفٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَوْرَدَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ بِتَمَامِهِ، وَأَحْمَدُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا، وَقَدْ وَافَقَ يُونُسُ، مَعْمَرًا، وَشُعَيْبًا فِي الْإِسْنَادِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي وَافَقَ شَبِيبًا فِي لَفْظِ حُنَيْنٍ وَخَالَفَهُ فِي الْإِسْنَادِ فَأَرْسَلَ الْحَدِيثَ، وَطَرِيقُ ابْنِ الْمُبَارَكِ هَذِهِ وَصَلَهَا فِي الْجِهَادِ وَلَمْ أَرَ فِيهَا تَعْيِينَ الْغَزْوَةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ صَالِحٌ) يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ. قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ بَعْضَ مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مَعَهُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَابَعَةِ أَنَّ صَالِحًا تَابَعَ رِوَايَةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ فِي تَرْكِ ذِكْرِ اسْمِ الْغَزْوَةِ، لَا فِي بَقِيَّةِ الْمَتْنِ وَلَا فِي الْإِسْنَادِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا وَوَهَمَ فِيهِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَذَهَلَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْبَرَ) قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَكَذَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ الزُّبَيْدِيِّ هَذِهِ مُعَلَّقَةً مُخْتَصَرَةً، وَأَجْحَفَ فِيهَا فِي الِاخْتِصَارِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْمَوْصُولَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَبَيْنَ رِوَايَتِهِ الْمُرْسَلَةِ عَنْ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي التَّارِيخِ، وَكَذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ فَسَاقَ الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ بِالْقِصَّةِ، ثُمَّ سَاقَ بَعْدَهُ: قَالَ الزُّبَيْدِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ هَذَا سِيَاقُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي سِيَاقِ الذُّهْلِيِّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهَذَا أَصْوَبُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ، وَقَدِ اقْتَضَى صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَمَعْمَرٍ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ مُحْتَمَلَةٌ وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ إِذَا رَجَحَ بَعْضُهَا
عِنْدَهُ اعْتَمَدَهُ وَأَشَارَ إِلَى الْبَقِيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَدْحَ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الِاضْطِرَابِ أَنْ تَتَسَاوَى وُجُوهُ الِاخْتِلَافِ فَلَا يَرْجَحُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَلْوَانِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: قُلْتُ لِيَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ هَذَا؟ قَالَ: كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخٌ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ، فَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْكِنَانِيُّ. قَالَ مُسْلِمٌ: وَلَيْسَ مَا قَالَ يَعْقُوبُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ وَاوٌ وَاحِدَةٌ فَفَحُشَ خَطَؤُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ هُوَ سَعِيدٌ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ ابْنُ أَخِيهِ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا رَجَّحَ الذُّهْلِيُّ رِوَايَةَ شُعَيْبٍ، وَمَعْمَرٍ، قَالَ: وَلَا تُدْفَعُ رِوَايَةُ الْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَقَعُ لَهُ الْحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ فَيَحْمِلُهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، نَعَمْ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُوَافَقَةَ الزُّبَيْدِيِّ عَلَى إِرْسَالِ آخِرِ الْحَدِيثِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ أَعْلَمَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ نَفَذَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ مِنَ الْفُسَّاقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنَّارِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
قَوْلُهُ: هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ أَيْ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِينَ أَصَابَتْهُ الْجِرَاحَةُ ارْتَابَ وَشَكَّ فِي الْإِيمَانِ أَوْ اسْتَحَلَّ قَتْلَ نَفْسِهِ فَمَاتَ كَافِرًا. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْمُنِيرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَاجِرِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ: إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْكُفْرَ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ، وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ ﷺ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ إِعْلَامِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بِفَضِيلَةٍ تَكُونُ فِيهِ وَالْجَهْرُ بِهَا.
(تَنْبِيهٌ): الْمُنَادِي بِذَلِكَ بِلَالٌ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: قُمْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ
الْمُنَادِيَ بِذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ نَادَوْا جَمِيعًا فِي جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ أبي زِيَادٍ، وَعَاصِمٌ هُوَ الْأَحْوَلُ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ إِلَى أَبِي مُوسَى بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: (أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِ أَبِي مُوسَى - فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) هَذَا السِّيَاقُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ ذَاهِبُونَ إِلَى خَيْبَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ حَالَ رُجُوعِهِمْ، لِأَنَّ أَبَا مُوسَى إِنَّمَا قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ مَعَ جَعْفَرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِهِ وَاضِحًا، وَعَلَى هَذَا فَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَحَاصَرَهَا فَفَتَحَهَا فَفَزِعَ فَرَجَعَ أَشْرَفَ النَّاسُ. . . إِلَخْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَهُوَ مِنْ ثُلَاثِيَّاتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ) هِيَ كُنْيَةُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ.
قَوْلُهُ: (أَصَابَتْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ)؛ أَيْ أَصَابَتْ رُكْبَتَهُ، وَيَوْمَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَنَفَثَ فِيهِ)؛ أَيْ فِي مَوْضِعِ الضَّرْبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ فَوْقَ النَّفْخِ وَدُونَ التَّفْلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ رِيقٍ بِخِلَافِ التَّفْلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِرِيقٍ خَفِيفٍ بِخِلَافِ النَّفْخِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرِيقًا لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْمَاضِي قَبْلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيُّ) هُوَ بَصْرِيٌّ، وَاسْمُ جَدِّهِ الْوَلِيدُ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ أَقْرَانِ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ) هُوَ الْيَحْمَدِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ، بَصْرِيٌّ أَيْضًا، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: وَمَا أَرَى بِرِوَايَتِهِ بَأْسًا. قُلْتُ: وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْجَوْنِيُّ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ نُونٍ - نِسْبَةً إِلَى بَنِي الْجَوْنِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دَوْسٍ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الرُّشَاطِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عِمْرَانَ مِنْ هَذَا الْبَطْنِ، وَجَزَمَ الْحَازِمِيُّ أَنَّهُ مِنْ بَنِي الْجَوْنِ بَطْنٌ مِنْ كِنْدَةَ وَلَمْ يَسُقْ نَسَبَهُ، وَقَدْ سَاقَهُ الرُّشَاطِيُّ فَقَالَ: الْجَوْنُ، وَاسْمُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرٍ.
قَوْلُهُ: (فَرَأَى طَيَالِسَةً)؛ أَيْ عَلَيْهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ
بَزِيعٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الرَّبِيعِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ أَنَسًا قَالَ: مَا شَبَّهْتُ النَّاسَ الْيَوْمَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَثْرَةِ الطَّيَالِسَةِ إِلَّا بِيَهُودِ خَيْبَرَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ كَانُوا يُكْثِرُونَ مِنْ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ، وَكَانَ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ شَاهَدَهُمْ أَنَسٌ لَا يُكْثِرُونَ مِنْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الْبَصْرَةَ رَآهُمْ يُكْثِرُونَ مِنْ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ فَشَبَّهَهُمْ بِيَهُودِ خَيْبَرَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا كَرَاهِيَةُ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالطَّيَالِسَةِ الْأَكْسِيَةُ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَلْوَانَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ صَفْرَاءَ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ؛ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ فَتْحِ عَلِيٍّ خَيْبَرَ:
قَوْلُهُ: (وَكَانَ رَمِدًا) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: أَرْمَدُ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِيرِ: أَرْمَدَ شَدِيدَ الرَّمَدِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ: أَرْمَدَ لَا يُبْصِرُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَلَحِقَ بِهِ) وَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى نَفْسِهِ تَأَخُّرَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: فَلَحِقَ بِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَحِقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى خَيْبَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَحِقَ بِهِ بَعْدَ أَنْ وَصَلَ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بِتْنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي فُتِحَتْ) خَيْبَرُ فِي صَبِيحَتِهَا (قَالَ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا) وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْخصَيْبِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ اللِّوَاءَ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَخَذَهُ عُمَرُ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، وَقُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَأَدْفَعَنَّ لِوَائِي غَدًا إِلَى رَجُلٍ الْحَدِيثَ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ سَرَدَهُمُ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ.
قَوْلُهُ: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا أَوْ لَيَأْخُذَنَّ غَدًا) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ الَّذِي بَعْدَهُ:
لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا بِغَيْرِ شَكٍّ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: إِنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ غَدًا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالرَّايَةُ بِمَعْنَى اللِّوَاءِ وَهُوَ الْعَلَمُ الَّذِي فِي الْحَرْبِ يُعْرَفُ بِهِ مَوْضِعُ صَاحِبِ الْجَيْشِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ وَقَدْ يَدْفَعُهُ لِمُقَدَّمِ الْعَسْكَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِتَرَادُفِهِمَا، لَكِنْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ بُرَيْدَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَادَ: مَكْتُوبًا فِيهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّغَايُرِ، فَلَعَلَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا عُرْفِيَّةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَكَذَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَا وُجِدَتِ الرَّايَاتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا الْأَلْوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) زَادَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: لَيْسَ بِفَرَّارٍ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَنَحْنُ نَرْجُوهَا) فِي حَدِيثِ سَهْلٍ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، وَقَوْلُهُ: يَدُوكُونَ بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ؛ أَيْ بَاتُوا فِي اخْتِلَاطٍ وَاخْتِلَافٍ، وَالدَّوْكَةُ بِالْكَافِ الِاخْتِلَاطُ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ عُمَرَ قَالَ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: فَمَا مِنَّا رَجُلٌ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، حَتَّى تَطَاوَلْتُ أَنَا لَهَا، فَدَعَا عَلِيًّا وَهُوَ يَشْتَكِي عَيْنَهُ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَأَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ أَرْمَدُ، فَبَزَقَ فِي عَيْنِهِ فَبَرأ.
قَوْلُهُ: (فَقِيلَ: هَذَا عَلِيٌّ) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي بَعْدَهُ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ قَالُوا: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأْتُوا بِهِ. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْضَرَهُ، وَلَعَلَّ عَلِيًّا حَضَرَ إِلَيْهِمْ بِخَيْبَرَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ لِرَمَدِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَحَضَرَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَادَفَ حُضُورَهُ.
قَوْلُهُ: (فَبَرَأَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ بِوَزْنِ ضَرَبَ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الرَّاءِ بِوَزْنِ عَلِمَ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَفْسِهِ قَالَ: فَوَضَعَ رَأْسِي فِي حِجْرِهِ ثُمَّ بَزَقَ فِي إلْيَةِ رَاحَتِهِ فَدَلَكَ بِهَا عَيْنَيَّ، وَعِنْدَ بُرَيْدَةَ فِي الدَّلَائِلِ لِلْبَيْهَقِيِّ: فَمَا وَجِعَهَا عَلِيٌّ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ؛ أَيْ مَاتَ. وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: فَمَا رَمِدْتُ وَلَا صُدِعْتُ مُذْ دَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ. قَالَ: وَدَعَا لِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْقَرَّ. قَالَ: فَمَا اشْتَكَيْتُهُمَا حَتَّى يَوْمِي هَذَا.
قَوْلُهُ: (فَأَعْطَاهُ فَفَتَحَ عَلَيْهِ) فِي حَدِيثِ سَهْلٍ: فَأَعْطَاهُا الرَّايَةَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ وَفَدَكَ وَجَاءَ بِعَجْوَتِهِا. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ عَنْوَةً، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: فُتِحَتْ صُلْحًا، قَالَ: وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الشُّبْهَةُ عَلَى مَنْ قَالَ: فُتِحَتْ صُلْحًا بِالْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلُهُمَا لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الصُّلْحِ لَكِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِلَّا بِحِصَارٍ وَقِتَالٍ، انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ فَغَلَبَ عَلَى النَّخْلِ وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْقَصْرِ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجْلُوا مِنْهَا وَلَهُ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: فَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ لِلنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا: دَعْنَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَةَ، فَعَلَى هَذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ الصُّلْحُ، ثُمَّ حَدَثَ النَّقْضُ مِنْهُمْ فَزَالَ أَثَرُ الصُّلْحِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْقَتْلَ وَإِبْقَائِهِمْ
عُمَّالًا بِالْأَرْضِ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا مِلْكٌ، وَلِذَلِكَ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ، فَلَوْ كَانُوا صُولِحُوا عَلَى أَرْضِهِمْ لَمْ يُجْلَوْا مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ احْتِجَاجُ الطَّحَاوِيِّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا بِمَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَسَمَ خَيْبَرَ عَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَقَسَمَ نِصْفَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ حَدِيثٌ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ: (فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ) هُوَ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا)؛ أَيْ حَتَّى يُسْلِمُوا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: انْفُذْ) بِضَمِّ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رِسْلِكَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ؛ أَيْ عَلَى هَيْنَتِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ) وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَامَ أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ادْعُهُمْ أَنَّ الدَّعْوَةَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْقِتَالِ. وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ، فَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا، وَهُوَ عَنْ مَالِكٍ سَوَاءٌ مَنْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ أَوْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يُعْجِلُوا الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: لَا مُطْلَقًا، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُهُ. وَعَنْهُ: لَا يُقَاتَلُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ، وَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ فَتَجُوزُ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ دُعَاءٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ. وَيُحْمَلُ مَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ أَغَارَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ لَمَّا لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا طَرَقَهُمْ، وَكَانَتْ قِصَّةُ عَلِيٍّ بَعْدَ ذَلِكَ. وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ: تَجُوزُ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وَتُسْتَحَبُّ الدَّعْوَةُ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا. . . إِلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ تَأَلُّفَ الْكَافِرِ حَتَّى يُسْلِمَ أَوْلَى مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى قَتْلِهِ.
قَوْلُهُ: (حُمْرِ النَّعَمِ) بِسُكُونِ الْمِيمِ مِنْ حُمْرِ وَبِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنْ أَلْوَانِ الْإِبِلِ الْمَحْمُودَةِ، قِيلَ: الْمُرَادُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ فَتَتَصَدَّقَ بِهَا، وَقِيلَ: تَقْتَنِيَهَا وَتَمْلِكُهَا، وَكَانَتْ مِمَّا تَتَفَاخَرُ الْعَرَبُ بِهَا. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَايَتِهِ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَطَرَحَ تُرْسَتهُ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا فِي سَبْعَةٍ أَنَا ثَامِنُهُمْ نَجْهَدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ ع لِيًّا حَمَلَ الْبَابَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ جُرِّبَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْمِلْهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّبْعَةَ عَالَجُوا قَلْبَهُ، وَالْأَرْبَعِينَ عَالَجُوا حَمْلَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ظَاهِرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِاخْتِلَافِ حَالِ الْأَبْطَالِ. وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ: وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ، الْأَبْيَاتَ. فَقَالَ عَلِيٌّ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
الْأَبْيَاتَ. فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، فَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ، وَخَالَفَ ذَلِكَ أَهْلُ السِّيَرِ فَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَالْوَاقِدِيُّ بِأَنَّ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سْلَمَةَ، وَكَذَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ، وَقِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَانَ بَارَزَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الْحَارِثُ أَخُو مَرْحَبٍ فَاشْتَبَهُوا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَيْضًا، وَكَانَ اسْمُ الْحِصْنِ الَّذِي فَتَحَهُ عَلِيٌّ الْقَمُوصَ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ حُصُونِهِمْ، وَمِنْهُ سُبِيَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ، أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ؛ الطَّرِيقُ الْأُولَى:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ) هُوَ أَبُو صَالِحٍ الْجزاميُّ، أَخْرَجَ عَنْهُ هُنَا وَفِي الْبُيُوعِ خَاصَّةً هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ، وَشَيْخُهُ يَعْقُوبُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ ابْنِ شَبَّوَيْهِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ: أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ فَسَاقَهَا فِي الْبُيُوعِ قُبَيْلَ السَّلَمِ عَلَى لَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْغَفَّارِ: عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو مَيْسَرةُ.
قَوْلُهُ: (مَوْلَى الْمُطَّلِبِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ الْمَخْزُومِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَقَدْ قُتِلَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا) اسْمُ الْحِصْنِ الْقَمُوصُ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَاسْمُ زَوْجِهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَاتِ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَرَكَ مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، قَالَ: فَغَيَّبُوا مِسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ احْتَمَلَهُ مِعهُ إِلَى خَيْبَرَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ. فَقَالَ: الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَوُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خَرِبَةٍ، فَقَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ) رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ
مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ وَالصَّفِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، فَسَّرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ: كَانَ يُضْرَبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِسَهْمٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّفِيُّ يُؤْخَذُ لَهُ رَأْسٌ مِنَ الْخُمُسِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَهْمٌ يُدْعَى الصَّفِيَّ إِنْ شَاءَ عَبْدًا وَإِنْ شَاءَ أَمَةً وَإِنْ شَاءَ فَرَسًا، يَخْتَارُهُ مِنَ الْخُمُسِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا غَزَا كَانَ لَهُ سَهْمٌ صَافٍ يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، وَكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ، وَقِيلَ: إِنَّ صَفِيَّةَ كَانَ اسْمُهَا قَبْلَ أَنْ تُسْبَى زَيْنَبَ، فَلَمَّا صَارَتْ مِنَ الصَّفِيِّ سُمِّيَتْ صَفِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ) أَمَّا سَدٌّ فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِضَمِّهَا، وَأَمَّا الصَّهْبَاءُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْغَفَّارِ هُنَا: سَدُّ الرَّوْحَاءِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَهِيَ رِوَايَةُ قُتَيْبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ، وَرِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْقُوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. وَالرَّوْحَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ مَكَانٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ بَيْنَهُمَا نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَوَاخِرِ الْمَسَاجِدِ، وَقِيلَ: بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ مَكَانٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: الرَّوْحَاءُ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَيْسَتْ قُرْبَ خَيْبَرَ، فَالصَّوَابُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ أَنَّهَا الصَّهْبَاءُ، وَهِيَ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ خَيْبَرَ؛ قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (حَلَّتْ)؛ أَيْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ قُبَيْلَ كِتَابِ السَّلَمِ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ وَصَلَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ: قَالَ أَنَسٌ: وَدَفَعَهَا إِلَى أُمِّي أُمِّ سُلَيْمٍ حَتَّى تُهَيِّئَهَا وَتُصَبِّنَهَا وَتَعْتَدَّ عِنْدَهَا، وَإِطْلَاقُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مَجَازٌ عَنْ الِاسْتِبْرَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَبَنَى بِهَا) يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَشَرْحُ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَزْوِيجِ صَفِيَّةَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (يُحَوِّي لَهَا) بِالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ؛ أَيْ يَجْعَلُ لَهَا حَوِيَّةً، وَهِيَ كِسَاءٌ مَحْشُوَّةٌ تُدَارُ حَوْلَ الرَّاكِبِ.
قَوْلُهُ: (وَيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ) وَزَادَ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ فِي الْجِهَادِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرَ أُحُدٍ وَذِكْرَ الدُّعَاءِ لِلْمَدِينَةِ، وَفِي أَوَّلِهِ أَيْضًا التَّعَوُّذَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَمَاكِنَ شَرْحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَوَقَعَ فِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهَا فَخِذَهُ لِتَرْكَبَ، فَأَجَلَّتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَضَعَ رِجْلَهَا عَلَى فَخِذِهِ، فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى فَخِذِهِ وَرَكِبَتْ.
الطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَخُوهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ. وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ.
قَوْلُهُ: (أَقَامَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ بِطَرِيقِ خَيْبَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَعْرَسَ بِهَا) الْمُرَادُ أَنَّهُ أَقَامَ فِي الْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَعْرَسَ بِهَا فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَا أَنَّهُ سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَعْرَسَ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنَّ الصَّهْبَاءَ قَرِيبَةٌ مِنْ خَيْبَرَ، وَبَيَّنَ ابْنُ سَعْدٍ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَتِهَا أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي بَنَى بِهَا فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَيْبَرَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أَنَّهُ ﷺ أَعْرَسَ بِصَفِيَّةَ بِسَدِّ الصَّهْبَاءِ، وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ
قَوْلِهِ: بِطَرِيقِ خَيْبَرَ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ: أَقَامَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا.
الطريق الثالثة:
قَوْلُهُ: (قَامَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَلِلْبَاقِينَ: أَقَامَ وَهُوَ أَوْجَهُ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا. . . إِلَخْ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ وَاضِحًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَهْبٌ) هُوَ ابْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْخُمُسِ لَفْظُ أَبِي الْوَلِيدِ الْمَبْدُوءُ بِذِكْرِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِرَابَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا فِي لُغَةٍ نَادِرَةٍ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثَهُ فِي بَابِ مَا يُصِيبُ مِنَ الطَّعَامِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ كِتَابِ الْخُمُسِ.
[الحدبث ٤٢١٩ - طرفاه في: ٥٥٢٤، ٥٥٢٠]
٤٢٢٢،
[الحدبث ٤٢٢١ - أطرافه في: ٥٥٢٥، ٤٢٢٦، ٤٢٢٥، ٤٢٢٣]
٤٢٢٣،
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.