كتب الحديث
النبوي الشريف

باب بلا ترجمة

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب المغازي الأحاديث 3996–4027

أحاديث الباب: 3996، 3997، 3998، 3999، 4000، 4001، 4002، 4003، 4004، 4005، 4006، 4007، 4008، 4009، 4010، 4011، 4012، 4014، 4015، 4016، 4018، 4019، 4021، 4022، 4023، 4025، 4026، 4027

قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَيَانِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي خَلِيفَةٌ) هُوَ ابْنُ خَيَّاطٍ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ الشَّدِيدَةِ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ) هُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ.

قَوْلُهُ: (مَاتَ أَبُو زَيْدٍ وَلَمْ يَتْرُكْ عَقِبًا وَكَانَ بَدْرِيًّا) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ مَضَى فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآنَ فَقَالَ: هُوَ قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، مَاتَ فَلَمْ يَتْرُكْ عَقِبًا، نَحْنُ وَرِثْنَاهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي اسْمِهِ هُنَاكَ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِي، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا وَصْفُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ بِكَوْنِهِ شَهِدَ بَدْرًا.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ الزُّبَيْرُ) هُوَ ابْنُ الْعَوَامِّ.

قَوْلُهُ: (عُبَيْدَةُ) بِالضَّمِّ أَيِ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عِدَّةُ إِخْوَةٍ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَمْرٌو، وَخَالِدٌ، وَأَبَانُ، وَقُتِلَ الْعَاصِ كَافِرًا.

قَوْلُهُ: (مُدَجَّجٌ) بِجِيمَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ وَمَفْتُوحَةٌ وَقَدْ تُكْسَرُ، أَيْ مُغَطًّى بِالسِّلَاحِ وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ:

(قَالَ هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَقَوْلُهُ: فَأُخْبِرْتُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْمُخْبِرِ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَمَطَّأْتُ) قِيلَ: الصَّوَابُ تَمَطَّيْتُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ الْجَهْدُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبِضَمِّهَا (أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (نَزَعْتُهَا).

قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَقَوْلُهُ: (أَخَذَهَا) يَعْنِي الزُّبَيْرُ (ثُمَّ طَلَبَهَا أَبُو بَكْرٍ) أَيْ مِنَ الزُّبَيْرِ وَقَوْلُهُ: (وَقَعَتْ عِنْدَ آلِ عَلِيٍّ) أَيْ عِنْدَ عَلِيٍّ نَفْسِهِ ثُمَّ عِنْدَ أَوْلَادِهِ.

قَوْلُهُ: (فَطَلَبَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) أَيْ مِنْ آلِ عَلِيٍّ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الْبَيْعَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي الْإِيمَانِ. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ.

قَوْلُهُ: (إنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ) هُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ صِفَةُ قَتْلِ وَالِدِهِ قَرِيبًا. وَقَوْلُهُ: (تَبَنَّى سَالِمًا) أَيِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ فَإِنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ صَارَ يُدْعَى مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَقَدْ شَهِدَ سَالِمٌ بَدْرًا مَعَ مَوْلَاهُ الْمَذْكُورِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَالِدُ هِنْدٍ قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسُمِّيَتْ هِنْدٌ هَذِهِ بِاسْمِ عَمَّتِهَا هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: رَوَاهُ يُونُسُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبٌ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالُوا: هِنْدٌ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْهُ فَقَالَ: فَاطِمَةُ وَاقْتَصَرَ أَبُو عُمَرَ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ فَلَمْ يُتَرْجِمْ لِهِنْدِ بِنْتِ الْوَلِيدِ، وَلَا ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الصَّحَابَةِ. وَوَقَعَ عِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَإِمَّا نَسَبَهَا لِجَدِّهَا وَإِمَّا كَانَتْ لِهِنْدٍ أُخْتٌ اسْمُهَا فَاطِمَةُ. وَحَكَى أَبُو عُمَرَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ اسْمَ جَدِّ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ الْمُغِيرَةُ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَيْسَتْ هِيَ بِنْتَ أَخِي أَبِي حُذَيْفَةَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ بِنْتَ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ لَهَا اسْمَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) هِيَ ثُبَيْتَةُ بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مُصَغَّرٌ بِنْتُ يَعَارِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَهِيَ نِسْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَوْلَى الْأَنْصَارِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْمُرَادُ يَزِيدُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ، وَسَهْلَةُ هِيَ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو زَوْجُ أَبِي حُذَيْفَةَ. وَقَوْلُهُ: فَذَكَرَ الْحَدِيثَ سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ الْحَدِيثُ السَّادِسُ (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، وَالرُّبَيِّعُ بِالتَّشْدِيدِ بِنْتُ مُعَوِّذٍ وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ: (يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ) كَانَ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ مِمَّنْ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَلَوْ بِالْمَجَازِ أَبُوهَا وَعَمُّهَا عَوْفٌ أَوْ عَوْذٌ وَمَنْ يَقْرُبُ لَهُمَا مِنَ الْخَزْرَجِ كَحَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، وَقَوْلُهَا: يَنْدُبْنَ النَّدْبُ دُعَاءُ الْمَيِّتِ بِأَحْسَنِ أَوْصَافِهِ، وَهُوَ مِمَّا يُهَيِّجُ التَّشَوُّقَ إِلَيْهِ وَالْبُكَاءَ عَلَيْهِ. وَالدُّفُّ مَعْرُوفٌ وَدَالُهُ مَضْمُومَةٌ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ صَبِيحَةَ الْعُرْسِ، وَكَرَاهَةُ نِسْبَةِ عِلْمِ الْغَيْبِ لِأَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ.

وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ ﵁ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. يُرِيدُ التَّمَاثِيلَ الَّتِي فِيهَا الْأَرْوَاحُ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ فِي الصُّوَرِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي اللِّبَاسِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ الشَّارِفِينَ وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي الْخُمُسِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ: مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْطَانِي شَارِفًا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُمُسِ يَوْمئِذٍ أَنَّ غَنِيمَةَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ أَنَّ آيَةَ الْخُمُسِ

إِنَّمَا نَزَلَتْ بَعْدَ قِسْمَةِ غَنَائِمِ بَدْرٍ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ: يَوْمَئِذٍ وَلَكِنْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ بِلَفْظِ وَأَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ لَيْسَ فِيهِ يَوْمئِذٍ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَعْطَانِي شَارِفًا آخَرَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَوْمِ وَلَا بِالْخُمُسِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْخُمُسِ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ.الْحَدِيثُ التَّاسِعُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) هُوَ الْمَكِّيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ، ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (أَنْفَذَهُ لَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ) أَيْ بَلَغَ مُنْتَهَاهُ مِنَ الرِّوَايَةِ وَتَمَامِ السِّيَاقِ فَنَفَذَ فِيهِ، كَقَوْلِكَ: أَنَفَذْتُ السَّهْمَ أَيْ رَمَيْتُ بِهِ فَأَصَبْتُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَنْفَذَهُ لَنَا أَيْ أَرْسَلَهُ، فَكَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْهُ مُكَاتَبَةً أَوْ إِجَازَةً. وَابْنُ الْأَصْبِهَانِيِّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ سَمِعَهُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَالِيًا بِدَرَجَتَيْنِ عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ.

قَوْلُهُ: (كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) أَيِ الْأَنْصَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: لَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا) كَذَا فِي الْأُصُولِ لَمْ يَذْكُرْ عَدَدَ التَّكْبِيرِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ فِيهِ: كَبَّرَ خَمْسًا، وَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَرْقَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: سِتًّا وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ خَمْسًا زَادَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁: لَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ لِمَنْ شَهِدَهَا فَضْلًا عَلَى غَيْرِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ بَعْضِهِمُ التَّكْبِيرُ خَمْسٌ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ أَنَّ أَنَسًا قَالَ: إِنَّ التَّكْبِيرَ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثٌ، وَإِنَّ الْأُولَى لِلِاسْتِفْتَاحِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا أنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا وَثَمَانِيًا، حَتَّى مَاتَ النَّجَاشِيُّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَرْبَعٍ، وَلَا نَعْلَمُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَنْ قَالَ بِخَمْسٍ إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى، انْتَهَى. وَفِي الْمَبْسُوطِ لِلْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي يُونُسَ مِثْلُهُ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ ثُمَّ انْقَرَضَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ أَرْبَعٌ، لَكِنْ لَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إِنْ كَانَ نَاسِيًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ عَامِدًا عَلَى الصَّحِيحِ، ولَكِنْ لَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ حَدِيثُ عُمَرَ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ، وَتَأَيَّمَتْ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الثَّقِيلَةِ أَيْ صَارَتْ أَيِّمًا، وَهِيَ مَنْ مَاتَ زَوْجُهَا، وَخُنَيْسٌ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِيهِ: قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَقَوْلُهُ: أَوْجَدَ مِنِّي عَلَيْهِ أَيْ أَشَدَّ غَضَبًا وَهُوَ مِنَ الْمُوجِدَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ لِمَا كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ عِنْدَهُ وَلَهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ مَزِيدِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَنْزِلَةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ غَضَبُهُ مِنْهُ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ مِنْ عُثْمَانَ.

الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ، حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِثْبَاتُ كَوْنِ أَبِي مَسْعُودٍ شَهِدَ بَدْرًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَدِيٌّ هُوَ ابْنُ ثَابِتٍ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ) سَيَأْتِي اسْمُهُ فِي الَّذِي يَلِيهِ. وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَإِنَّمَا نَزَلَ بِهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَكَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَمْ يَصِحَّ شُهُودِ أَبِي مَسْعُودٍ بَدْرًا، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَسْكَنَهُ، فَقِيلَ لَهُ الْبَدْرِيُّ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّهُ شَهِدَهَا بِمَا يَقَعُ فِي الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ بَدْرِيٌّ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، لِأَنَّهُ

يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ مَنْ شَهْدَ بَدْرًا: الْبَدْرِيُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُطَّرِدًا، قُلْتُ: لَمْ يَكْتَفِ الْبُخَارِيُّ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا بِذَلِكَ، بَلْ بِقَوْلِهِ بالْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَدْرَكَ أَبَا مَسْعُودٍ، وَإِنْ كَانَ رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ بِوَاسِطَةٍ، وَيُرَجُّحُ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ ذَلِكَ بِقَوْلِ نَافِعٍ حِينَ حَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ الْبَدْرِيُّ فَإِنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى شُهُودِ بَدْرٍ لَا إِلَى نُزُولِهَا وَقَدِ اخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ أَنَّهُ شَهِدَهَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَمِّهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِي الْكُنَى، وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ: يُقَالُ: إِنَّهُ شَهِدَهَا. وَقَالَ الْبَرْقِيُّ: لَمْ يَذْكُرُهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ شَهِدَهَا انْتَهَى.

وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَإِنَّمَا رَجَّحَ مَنْ نَفَى شُهُودَهُ بَدْرًا بِاعْتِقَادِهِ أَنَّ عُمْدَةَ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ وَصْفَهُ بِالْبَدْرِيِّ وَأَنَّ تِلْكَ نِسْبَةٌ إِلَى نُزُولِ بَدْرٍ لَا إِلَى شُهُودِهَا، لَكِنْ يُضَعِّفُ ذَلِكَ تَصْرِيحُ مَنْ صَرَّحَ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ شَهِدَهَا كَمَا فِي الحديث الثاني عشر حيث قال فيه: فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ جَدُّ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ شَهِدَ بَدْرًا وقَدْ مَضَى شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَزَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ أَيِ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ أُمُّ بَشِيرٍ بِنْتُ أَبِي مَسْعُودٍ وَكَانَتْ قَبْلَ الْحَسَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ بَعْدَ الْحَسَنِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ، حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فِي فَضْلِ آخِرِ الْبَقَرَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَشَيْخُهُ مُوسَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.ﷺ. . .٤٠١١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ بَنِي عَدِيٍّ وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ خَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ ﵃".

٤٠١٣،

الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ، ذَكَرَ فِيه طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ، وَشَيْخُهُ أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، وَعَنْبَسَةُ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَلَمْ يُورِدِ الْبُخَارِيُّ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ مِنَ الْحَدِيثِ وَهِيَ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ: إِنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هكذا فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِالْإِيمَاءِ إِلَيْهِ كَعَادَتِهِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ حَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ بَنِي عَدِيِّ) أَيِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ أَكْبَرَ مِنْهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَقِيَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا) هُوَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْمُزَنِيُّ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ سَبَقَ بِالْهِجْرَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ) أَيِ ابْنَ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ الْجُمَحِيَّ، وَهُوَ أَخُو عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَحَدِ السَّابِقِينَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْقِصَّةَ لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِهِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ ذِكْرُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَطْ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ فَقَدِمَ الْجَارُودُ الْعَقَدِيُّ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ قُدَامَةَ سَكِرَ، فَقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ؟ فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَشَهِدَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَآهُ سَكْرَانَ يَقِيءُ، فَأَرْسَلَ إِلَى قُدَامَةَ، فَقَالَ لَهُ الْجَارُودِيُّ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَخَصْمٌ أَنْتَ أَمْ شَاهِدٌ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ عَاوَدَهُ فَقَالَ: لَتُمْسِكَنَّ أَوْ لَأَسُوءنَّكَ. فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْحَقِّ أَنْ يَشْرَبَ ابْنِ عَمِّكَ وَتَسُوءُنِي. فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى زَوْجَتِهِ هِنْدِ بِنْتِ الْوَلِيدِ فَشَهِدَتْ عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَ عُمَرُ، لِقُدَامَةَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَحُدَّكَ. فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ: أَخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ، فَإِنَّ بَقِيَّةَ الْآيَةِ ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ فَإِنَّكَ إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَغَاضَبَهُ قُدَامَةُ، ثُمَّ حَجَّا جَمِيعًا، فَاسْتَيْقَظَ عُمَرُ مِنْ نَوْمِهِ فَزِعًا فَقَالَ: عَجِّلُوا بِقُدَامَةَ، أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: صَالِحْ قُدَامَةَ فَإِنَّهُ أَخُوكَ، فَاصْطَلَحَا.

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ)

بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَخْبَرَنِي رَافِعٌ بِزِيَادَةِ النُّونِ وَالْيَاءِ وَهُوَ خَطَأٌ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَمَّيْهِ) هُمَا ظُهَيْرٌ، وَمُظْهِرٌ (١)، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَا شَهِدَا بَدْرًا) أَنْكَرَ ذَلِكَ الدِّمْيَاطِيُّ وَقَالَ: إِنَّمَا شَهِدَا أُحُدًا وَاعْتَمَدَ عَلَى ابْنِ سَعْدٍ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَثْبَتَ شُهُودَهُمَا أَثْبَتُ مِمَّنْ نَفَاهُ.

الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ رِفَاعَةَ بْنَ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيَّ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا) قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ رِفَاعَةَ وَنَسَبِهِ فِي بَابِ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا، وَبَقِيَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ كَبَّرَ فِي صَلَاتِهِ حِينَ دَخَلَهَا وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ عَنْ رِفَاعَةَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (إنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ، وَفِي الْإِسْنَادِ صَحَابِيَّانِ وَتَابِعِيَّانِ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ بِزِيَادَةِ تَابِعِيٍّ ثَالِثٍ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي لُبَابَةَ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي اللِّبَاسِ، وَأَبُو لُبَابَةَ مِمَّنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ وَلَمْ يَحْضُرِ الْقِتَالَ.

الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ.

قَوْلُهُ: (إنَّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ) أَيْ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ أُسِرَ بِبَدْرٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ إِلَى بَدْرٍ، فَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ أُخْرِجُوا كُرْهًا، فَمَنْ لَقِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ فَلَا يَقْتُلْهُ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْعَبَّاسِ قَدْ أَسَرَهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: لَيْسَ هَذَا أَسَرَنِي بَلْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَنْزَعُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَنْصَارِيِّ: أَيَّدَكَ اللَّهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ وَاسْمُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ أَبُو الْيَسَرِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ أَنَّهُ أَسَرَ الْعَبَّاسَ. وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْتُ لِأَبِي: كَيْفَ أَسَرَكَ أَبُو الْيَسَرِ؟ وَلَوْ شِئْتَ لَجَعَلْتَهُ فِي كَفِّكَ. قَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ.

قَوْلُهُ: (فَلْنَتْرُكْ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَاللَّامُ لِلْمُبَالَغَةِ.

قَوْلُهُ: (لِابْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُمُّ الْعَبَّاسِ لَيْسَتْ مِنَ الْأَنْصَارِ بَلْ جَدَّتُهُ أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هِيَ الْأَنْصَارِيَّةُ، فَأَطْلَقُوا عَلَى جَدَّةِ الْعَبَّاسِ أُخْتًا لِكَوْنِهَا مِنْهُمْ، وَعَلَى الْعَبَّاسِ ابْنَهَا لِكَوْنِهَا جَدَّتَهُ، وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ ثُمَّ مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ. وَأَمَّا أُمُّ الْعَبَّاسِ فَهِيَ نُتَيْلَةُ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ ثُمَّ لَامٍ مُصَغَّرٌ بِنْتُ جَنَابٍ - بِجِيمٍ وَنُونٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٍ - مِنْ وَلَدِ تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، وَوَهَمَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ: أُمُّ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ الْأَنْصَارِ: ابْنَ أُخْتِنَا وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَهُ، بَلْ فِيهِ تَجَوُّزٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ. وَرَوَى ابْنُ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا وَلِيَ وَثَاقَ الْأَسْرَى شَدَّ وَثَاقَ الْعَبَّاسِ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَئِنُّ فَلَمْ يَأْخُذْهُ النَّوْمُ، فَبَلَغَ الْأَنْصَارَ فَأَطْلَقُوا الْعَبَّاسَ، فَكَأَنَّ الْأَنْصَارَ لَمَّا فَهِمُوا رِضَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَكِّ وَثَاقِهِ سَأَلُوهُ أَنْ يَتْرُكُوا لَهُ الْفِدَاءَ طَلَبًا لِتَمَامِ رِضَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا عَبَّاسُ، افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخَوَيْكَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو فَإِنَّكَ ذُو مَالٍ. قَالَ: إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي، قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَقُولُ إِنْ كُنْتَ مَا تَقُولُ حَقًّا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ أَمْرِكَ أَنَّكَ كُنْتَ عَلَيْنَا وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ فِدَاءَهُمْ كَانَ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْأَوَائِلِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِدَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَجَعَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ مِائَةَ أُوقِيَّةٍ، وَعَلَى عَقِيلٍ ثَمَانِينَ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَلِلْقَرَابَةِ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: وَدِدْتُ لَوْ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنِّي أَضْعَافَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾.

قَوْلُهُ: (لَا تَذَرُونَ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا تَتْرُكُونَ مِنَ الْفِدَاءِ شَيْئًا، وَزَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لَا تَذَرُونَ لَهُ أَيْ لِلْعَبَّاسِ. قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ

يَكُونَ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةً لَهُ لِكَوْنِهِ عَمَّهُ لَا لِكَوْنِهِ قَرِيبَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ فَقَطْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْقَرِيبَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَظَاهَرَ بِمَا يُؤْذِي قَرِيبَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ يَكْرَهُ مَا يُؤْذِيهِ، فَفِي تَرْكِ قَبُولِ مَا يَتَبَرَّعُ لَهُ الْأَنْصَارُ بِهِ مِنَ الْفِدَاءِ تَأْدِيبٌ لِمَنْ يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ.

وحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ - وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقْتُلْهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ وَهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدِّيَاتِ مَعَ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِي

قَوْلِهِ: فَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِهِ هُنَا

قَوْلُهُ: وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ فَارِسًا يَوْمَئِذٍ، وَإِسْحَاقُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ. تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا بَيَانُ كَوْنِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ شَهِدَا بَدْرًا.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ السَّقِيفَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، وَمَعْنِ بْنِ عَدِيٍّ فِي أَهْلِ بَدْرٍ، فَأَمَّا عُوَيْمٌ فَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ ابْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ ابْنُ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَهُوَ أَوْسِيٌّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. وَأَمَّا مَعْنٌ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ ابْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ عَجْلَانَ أَخُو عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَهُوَ بَكْرِيٌّ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. وَمُوسَى شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ أَيِ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ حَدِيثِ السَّقِيفَةِ فِي الْمَنَاقِبِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ.

قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (كَانَ عَطَاءُ الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَةَ آلَافٍ) أَيِ الْمَالُ الَّذِي يُعْطَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ عَهْدِ عُمَرَ فَمَنْ بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ) أَيْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي زِيَادَةِ الْعَطَاءِ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْطَى الْمُهَاجِرِينَ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَالْأَنْصَارَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَفَضَّلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدَة اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْمُغْرِبِ بِالطُّورِ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ عَزَا الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ طَرِيقَ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ هَذِهِ إِلَى التَّفْسِيرِ فَوَهَمَ، وَهِيَ فِي الْمَغَازِي كَمَا تَرَى، وَوَجْهُ إِيرَادِهِ هُنَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ كَانَ قَدِمَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، أَيْ فِي طَلَبِ فِدَائِهِمْ.

وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ الْأُولَى - يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِي الْحَرَّةَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَيْضًا، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْمُطْعِمُ هُوَ وَالِدُ جُبَيْرٍ الْمَذْكُورِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّتْنَى - جَمْعُ نَتِنٍ وَهُوَ بِالنُّونِ وَالْمُثَنَّاةِ - أَسَارَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُ لَيَتْرُكُنَّهُمْ لَهُ أَيْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، وَبَيَّنَ ابْنُ شَاهِينَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدِ الْمَذْكُورَةِ مَا وَقَعَ مِنْهُ حِينَ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ وَدَخَلَ فِي جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ الْقِصَّةَ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطَةً، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهَا الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مُرْسَلٍ وَفِيهِ أَنَّ الْمُطْعِمَ أَمَرَ أَرْبَعَةً مِنْ أَوْلَادِهِ فَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَ رُكْنٍ مِنَ الْكَعْبَةِ.

فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا تُخْفَرُ ذِمَّتُكَ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ مَنْ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَتْهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ حَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ لِقُرَيْشٍ: إِنَّكُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ بِمُحَمَّدٍ مَا فَعَلْتُمْ، فَكُونُوا أَكَفَّ النَّاسِ عَنْهُ وَذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ مَاتَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَلَهُ بِضْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رَثَاهُ لَمَّا مَاتَ مُجَازَاةً لَهُ عَلَى مَا صَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: خَيِّرْ أَصْحَابَكَ فِي الْأَسْرَى: إِنْ شَاءُوا الْقَتْلَ وَإِنْ شَاءُوا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عَامًا مُقْبِلًا مِثْلُهُمْ، قَالُوا: الْفِدَاءُ وَيُقْتَلُ مِنَّا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ذَكَرَ فِيهَا السَّبَبَ هُوَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً تَكُونُ قُوَّةً لَنَا، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: أَرَى أَنْ

تُمَكِّنَّا مِنْهُمْ فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ.

فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ خِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي جَوَازِ فِدَاءِ أَسْرَى الْكُفَّارِ بِالْمَالِ فِي بَابِ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَيِ الرَّأْيَيْنِ كَانَ أَصْوَبَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلِمَا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَلِدُخُولِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِذُرِّيَّتِهِ الَّتِي وُلِدَتْ لَهُ بَعْدَ الْوَقْعَةِ، وَلِأَنَّهُ وَافَقَ غَلَبَةَ الرَّحْمَةِ عَلَى الْغَضَبِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ فِي حَقِّ مَنْ كَتَبَ لَهُ الرَّحْمَةَ، وَأَمَّا الْعِتَابُ عَلَى الْأَخْذِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَمِّ مَنْ آثَرَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَلَوْ قَلَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) لَمْ يَقَعْ لِي هَذَا الْأَثَرُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الْأُولَى) يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا، أَيْ أَنَّهُمْ مَاتُوا مُنْذُ قَامَتِ الْفِتْنَةُ بِمَقْتَلِ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ قَامَتِ الْفِتْنَةُ الْأُخْرَى بِوَقْعَةِ الْحَرَّةِ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمَاتَ قَبْلَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ بِبِضْعِ سِنِينَ، وَغَفَلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَبَرِ يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ غَلَطٌ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ عَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ عَاشُوا بَعْدَ عُثْمَانَ زَمَانًا؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ قُتِلُوا عِنْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ هَذَا الْأَثَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ وَقَعَتْ فِتْنَةُ الدَّارِ الْحَدِيثَ، وَفِتْنَةُ الدَّارِ هِيَ مَقْتَلُ عُثْمَانَ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِتْنَةِ الْأُولَى مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ فِي زَمَنِ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ مَوْجُودًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ يَعْنِي الْحَرَّةَ إِلَخْ) كَانَتْ الْحَرَّةُ فِي آخِرِ زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ خَبَرِهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ) كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي خَيْثَمَةَ وَلَوْ قَدْ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ وَرَجَّحَهَا الدِّمْيَاطِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الثَّالِثَةُ، وَلَمْ يُفَسِّرِ الثَّالِثَةَ كَمَا فَسَّرَ غَيْرَهَا، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْأَزَارِقَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ أَرَادَ الْفِتَنَ الَّتِي وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَقَدْ وَقَعَتْ فِتْنَةُ الْأَزَارِقَةِ عَقِبَ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَاسْتَمَرَّتْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً. وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: لَمْ تُتْرَكِ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ وَيَوْمَ الْحَرَّةِ قَالَ مَالِكٌ: وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: هُوَ يَوْمَ خُرُوجِ أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ، قُلْتُ: كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِمُدَّةٍ.

ثُمَّ وَجَدْتُ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوَ هَذَا الْأَثَرِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَإِنْ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ لَمْ تَرْتَفِعْ وَبِالنَّاسِ طَبَاخٌ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِلَفْظِ وَلَوْ وَقَعَتْ وَهَذَا بِخِلَافِ الْجَزْمِ بِالثَّالِثَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَيُمْكِنُ الجمع بِأَنْ يَكُونَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ هَذَا أَوَّلًا ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّالِثَةُ الْمَذْكُورَةُ وَهُوَ حَيٌّ فَقَالَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَقَوْلُهُ: طَبَاخٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ أَيْ قُوَّةٌ، قَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُ الطَّبَاخِ السِّمَنُ وَالْقُوَّةُ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْلِ وَالْخَيْرِ، قَالَ حَسَّانُ:

الْمَالُ يَغْشَى رِجَالًا لَا طَبَاخَ لَهُمْ … كَالسَّيْلِ يَغْشَى أُصُولَ الدِّنْدِنِ الْبَالِي

انْتَهَى. وَالدِّنْدِنُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُونِ النُّونِ الْأُولَى مَا اسْوَدَّ مِنَ النَّبَاتِ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ ذَكَرَ

طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا السَّنَدِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي التَّفْسِيرِ مُسْتَوْفًى، وَالْغَرَضُ مِنْهُ شَهَادَةُ عَائِشَةَ لِمَسْطَحٍ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَهُوَ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ ابْنُ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ النُّمَيْرِيِّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ.

الحديث التاسع والعشرون

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: هَذِهِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) أَيْ مَا حَمَلَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ يُلَقِّيهِمْ) بِتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ مِنَ الْإِلْقَاءِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مِنَ اللَّعْنِ، وَكَذَا هُوَ فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَأَنَّ مِمَّنْ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ عُمَرُ.

قَوْلُهُ: (فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ قُرَيْشٍ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَوْلُهُ (مِمَّنْ ضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ) يُرِيدُ بِقَوْلِهِ ضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ أَيْ أَعْطَاهُ نَصِيبًا مِنَ الْغَنِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهَا لِعُذْرٍ لَهُ فَصَيَّرَهُ كَمَنْ شَهِدَهَا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدِ اسْتَظْهَرَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، لَكِنَّ الْعَدَدَ الَّذِي ذَكَر يُغَايِرُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ الْمَاضِي فِي أَوَائِلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَهِيَ

قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا زِيَادَةً عَلَى سِتِّينَ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ أَوْرَدَهُ فِيمَنْ شَهِدَهَا حِسًّا، وَحَدِيثَ الْبَابِ فِيمَنْ شَهِدَهَا حِسًّا وَحُكْمًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعَدَدِ الْأَوَّلِ الْأَحْرَارَ وَالثَّانِي بِانْضِمَامِ مَوَالِيهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَقَدْ سَرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَسْمَاءَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَذَكَرَ مَعَهُمْ حُلَفَاءَهُمْ وَمَوَالِيَهُمْ فَبَلَغُوا ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَزَادَ عَلَيْهِ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَهْذِيبِ السِّيرَةِ ثَلَاثَةً. وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ فَسَرَدَهُمْ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ بِبَدْرٍ كَانُوا سَبْعَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا حِسًّا.

الْحَدِيثُ الثَّلَاثُونَ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (ضَرَبْتُ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْمُهَاجِرِينَ بِمِائَةِ سَهْمٍ) عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ سَأَلْتُ الزُّبَيْرَ عَلَى كَمْ سَهْمٍ جَاءَ لِلْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: عَلَى مِائَةِ سَهْمٍ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: هَذَا يُغَايِرُ

قَوْلَهُ: كَانُوا إِحْدَى وَثَمَانِينَ قَالَ: فَإِنْ كَانَ

قَوْلُهُ: بِمِائَةِ سَهْمٍ مِنْ كَلَامِ الزُّبَيْرِ فَلَعَلَّهُ دَخَلَهُ شَكٌّ فِي الْعَدَدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي عَنْهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانُوا عَلَى التَّحْرِيرِ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ، وَكَانَ مَعَهُمْ ثَلَاثَةُ أَفْرَاسٍ فَأَسْهَمَ لَهَا سَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ، وَضَرَبَ لِرِجَالٍ كَانَ أَرْسَلَهُمْ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ بِسِهَامِهِمْ فَصَحَّ أَنَّهَا كَانَتْ مِائَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَخِيرًا لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ ظَهَرَ أَنَّ إِطْلَاقَ الْمِائَةِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْخُمُسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَلَ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ ثُمَّ قَسَمَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْغَانِمِينَ عَلَى ثَمَانِينَ سَهْمًا عَدَدَ مَنْ شَهِدَهَا وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ، فَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْخُمُسُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ حِسَابِ مِائَةِ سَهْمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.