كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب المغازي الأحاديث 3992–3995

أحاديث الباب: 3992، 3993، 3994، 3995

قَوْلُهُ: (بَابُ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ بَابَيْنِ، وَأَخْرَجَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ قَتْلَى النَّاسِ بِضَرْبِ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَعَلَى الْبَنَانِ مِثْلَ وَسْمِ النَّارِ وَفِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ بِبَدْرٍ مِثْلَ النِّجَادِ الْأَسْوَدِ أَقْبَلَ مِنَ السَّمَاءِ كَالنَّمْلِ فَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا هَزِيمَةُ الْقَوْمِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مُشْرِكٍ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ - الْحَدِيثَ وَفِيهِ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ذَلِكَ مَدَدٌ مِنَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ.

قَوْلُهُ: (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ) أَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ، فَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، مُعَاذٌ عَنْ أَبِيهِ وَهَذِهِ مَوْصُولَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ وَكَانَ رِفَاعَةُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ إِلَخْ. وَهَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ وَلَكِنْ عِنْدَ التَّأَمُّلِ يَظْهَرُ أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً لِمُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَرِوَايَةُ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ وَهِيَ الثَّالِثَةُ قَالَ فِيهَا مُعَاذٌ: إِنَّ مَلَكًا سَأَلَهُ وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ، لَكِنْ أَفَادَ التَّصْرِيحَ بِسَمَاعِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لِلْحَدِيثِ مِنْ مُعَاذٍ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَصَلَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ فَأَرْسَلَهُ عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: وَعَنْ يَحْيَى أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْهَادِ حَدَّثَهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَلَكَ السَّائِلَ جِبْرِيلَ إِنَّمَا تَلَقَّاهَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُعَاذٍ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ الْجَزْمَ بِتَسْمِيَتِهِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِدْرَاجًا.

قَوْلُهُ: (بَدْرًا بِالْعَقَبَةِ) أَيْ بَدَلَ الْعَقَبَةِ، يُرِيدُ أَنَّ شُهُودَ الْعَقَبَةِ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ شُهُودِ بَدْرٍ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ رِوَايَةِ حَمَّادٍ

بِهَذَا يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ حَرْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ وَكَانَ رِفَاعَةُ بَدْرِيًّا وَكَانَ رَافِعٌ عَقَبِيًّا وَكَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ: مَا أُحِبُّ أَنِّي شَهِدْتُ بَدْرًا وَلَمْ أَشْهَدِ الْعَقَبَةَ قَالَ: سَأَلَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ: كَيْفَ أَهْلُ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: خِيَارُنَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ هُمْ خِيَارُ الْمَلَائِكَةِ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ نَحْوَهُ سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ لَفْظَ يَزِيدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ عَنْهُ بِلَفْظِ إِنَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ جِبْرِيلُ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ مَالِكٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ التَّصْرِيحَ بِتَفْضِيلِ أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى غَيْرِهِمْ فَقَالَ مَا قَالَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ، وَشُبْهَتُهُ أَنَّ الْعَقَبَةَ كَانَتْ مَنْشَأَ نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَسَبَبَ الْهِجْرَةِ الَّتِي نَشَأَ مِنْهَا الِاسْتِعْدَادُ لِلْغَزَوَاتِ كُلِّهَا، لَكِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذَا جِبْرِيلُ) الْحَدِيثَ هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَمَلَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي يَوْمِ بَدْرٍ خَفَقَ خَفْقَةً ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ عَلَى ثَنَايَاهُ الْغُبَارُ وَوَقَعَتْ فِي بَعْضِ الْمَرَاسِيلِ تَتِمَّةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُقَيَّدَةٌ، وَهِيَ مَا أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ عَلَى فَرَسٍ حَمْرَاءَ مَعْقُودَةِ النَّاصِيَةِ قَدْ تَخَضَّبَ الْغُبَارُ بِثَنِيَّتِهِ عَلَيْهِ دِرْعُهُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُفَارِقَكَ حَتَّى تَرْضَى، أَفَرَضِيتَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: إِنِّي لَأَتَّبِعُ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ فَوَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا، ثُمَّ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، وَأَظُنُّهُ ذَكَرَ ثَالِثَةً، فَكَانَتِ الْأُولَى جِبْرِيلَ وَالثَّانِيَةُ مِيكَائِيلَ وَالثَّالِثَةُ إِسْرَافِيلَ، وَكَانَ مِيكَائِيلُ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَإِسْرَافِيلُ عَنْ يَسَارِهِ وَأَنَا فِيهَا وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ لِي وَلِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ: مَعَ أَحَدِكُمَا جِبْرِيلُ وَمَعَ الْآخَرِ

مِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ مَلَكٌ عَظِيمٌ يَحْضُرُ الصَّفَّ وَيَشْهَدُ الْقِتَالَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ مُمْكِنٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: سُئِلْتُ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي قِتَالِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ الْكُفَّارَ بِرِيشَةِ مِنْ جَنَاحِهِ، فَقُلْتُ: وَقَعَ ذَلِكَ لِإِرَادَةِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَتَكُونَ الْمَلَائِكَةُ مَدَدًا عَلَى عَادَةِ مَدَدِ الْجُيُوشِ رِعَايَةً لِصُورَةِ الْأَسْبَابِ وَسُنَّتِهَا الَّتِي أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي عِبَادَهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ فَاعِلُ الْجَمِيعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.