كتب الحديث
النبوي الشريف

باب بلا ترجمة

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب المغازي الأحاديث 3984–3991

أحاديث الباب: 3984، 3985، 3986، 3987، 3989، 3990، 3991

قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ. وَهُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَدْرٍ أَيْضًا، وَأَبُو أَحْمَدَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ كَمَا نَسَبَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.

قَوْلُهُ: (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَوَقَعَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي أُسَيْدٍ، فَقِيلَ: هُوَ عَمُّهُ وَقِيلَ: هُوَ هُوَ لَكِنْ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ هُوَ الْمُنْذِرُ نَفْسُهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ الْخَزْرَجِيُّ السَّاعِدِيُّ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَكْثَبُوكُمْ) بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَيْ إِذَا قَرَبُوا مِنْكُمْ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَعْنِي أَكْثَرُوكُمْ وَهُوَ تَفْسِيرٍ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْجِهَادِ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ أُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَعَرَفْنَا الْآنَ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَكِنْ يُتَّجَهُ الْإِنْكَارُ لِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَكَأَنَّهُ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَعْنِي غَشَوْكُمْ وَهُوَ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَالتَّخْفِيفِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمُرَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَحْمِلُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَأْمُرَهُمْ وَقَالَ: إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَانْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ وَالْهَمْزَةُ فِي قَوْلِهِ أَكْثَبُوكُمْ لِلتَّعَدِّيَةِ مِنْ كَثَبَ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْقُرْبُ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: أَكْثَبَ الصَّيْدُ إِذَا أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ، فَالْمَعْنَى إِذَا قَرُبُوا مِنْكُمْ فَأَمْكَنُوكُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَارْمُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فِعْلُ أَمْرٍ بِالِاسْتِبْقَاءِ، أَيْ طَلَبِ الْإِبْقَاءِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَى

قَوْلِهِ: ارْمُوهُمْ أَيْ بِالْحِجَارَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تُخْطِئُ إِذَا رُمِيَ بِهَا فِي الْجَمَاعَةِ، قَالَ، وَمَعْنَى

قَوْلِهِ: اسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ أَيْ إِلَى أَنْ تَحْصُلَ الْمُصَادَمَةُ، كَذَا قَالَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَعْنَى ارْمُوهُمْ بِبَعْضِ نَبْلِكُمْ لَا بِجَمِيعِهَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَعْنَى

قَوْلِهِ: وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ارْمُوهُمْ وَإِنَّمَا هُوَ كَالْبَيَانِ لِلْمُرَادِ بِالْأَمْرِ بِتَأْخِيرِ الرَّمْيِ حَتَّى يَقْرَبُوا مِنْهُمْ، أَيْ

إِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا بَعِيدًا لَا تُصِيبُهُمُ السِّهَامُ غَالِبًا، فَالْمَعْنَى اسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي إِذَا رَمَيْتُمْ بِهَا لَا تُصِيبُ غَالِبًا، وَإِذَا صَارُوا إِلَى الْحَالَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْإِصَابَةُ غَالِبًا فَارْمُوا.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً: سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا) هَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي عَدَدِ الْقَتْلَى، وَأَطْبَقَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى أَنَّهُمْ خَمْسُونَ قَتِيلًا يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، سَرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَبَلَغُوا خَمْسِينَ، وَزَادَ الْوَاقِدِيُّ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً، وَأَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُمْ بِضْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ أَنْ يَكُونُوا جَمِيعَ مَنْ قُتِلَ. وَقَوْلُ الْبَرَاءِ: إِنَّ عِدَّتَهُمْ سَبْعُونَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَآخَرُونَ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ أَهْلُ أُحُدٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا يَوْمُ بَدْرٍ، وَعَلَى أَنَّ عِدَّةَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ سَبْعُونَ نَفْسًا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ قَصِيدَةٍ لَهُ:

فَأَقَامَ بِالطَّعْنِ الْمُطَعَّنُ مِنْهُمُ … سَبْعُونَ عُتْبَةُ مِنْهُمُ وَالْأَسْوَدُ

يَعْنِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْمُ مَنْ قَتَلَهُ. وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالٍ الْمَخْزُومِيُّ قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ سَرَدَ ابْنُ هِشَامٍ أَسْمَاءً أُخْرَى مِمَّنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ غَيْرَ مَنْ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فَزَادُوا عَلَى السِّتِّينَ فَقَوَّى مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ عَلَّقَ طَرَفًا مِنْهُ هُنَاكَ. وَأَوْرَدَهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بِتَمَامِهِ، فَأَحَلْتُ شَرْحَهُ عَلَى غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْهُ هَذِهِ الْقِطْعَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا هُنَا، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهَا فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ، حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ.الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بِتَمَامِهِ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِيهِ: وَكَانَ قَدْ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالَّذِي قَتَلَهُ عَاصِمٌ الْمَذْكُورُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَمَنْ تَبِعَهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَتَلَهُ صَبْرًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ) بِالْجِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَمْرُو بْنُ أَبِي أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ وَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَهُوَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، بَلْ هُوَ جَدُّ أَبِيهِ لِأَنَّهُ ابْنُ أَسِيدِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ، وَوَقَعَ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ كَمَا سَيَأْتِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهِيَ كُنْيَةُ أَبِيهِ أَسِيدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لِلْجَمِيعِ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ قَالُوا فِيهِ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُمَرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ عَمْرٌو، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ هَلْ يَسْتَأْسِرُ الرَّجُلُ لِلْأَكْثَرِ عَمْرٌو، أَمَّا النَّسَفِيُّ، وَأَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ فَلَمْ يُسَمِّيَاهُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَسِيدٍ وَقَالَ ابْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ: عُمَيْرٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَالرَّاجِحُ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ.

قَوْلُهُ: (عَشَرَةَ عَيْنًا) سَيَأْتِي بَيَانُهُمْ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَعْنِي لِأُمِّهِ، قَالَ: وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ فَإِنَّ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ خَالُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ لَا جَدَّهُ؛ لِأَنَّ وَالِدَةَ عَاصِمٍ هِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ ثَابِتٍ أُخْتُ عَاصِمٍ، وَكَانَ اسْمُهَا عَاصِيَةً فَغَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ عِيَاضٌ: إِذَا قُرِئَ جِدٌّ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِثَابِتٍ اسْتَقَامَ الْكَلَامُ وَارْتَفَعَ الْوَهَمُ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: ذَكَرُوا مُرَارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَمْرَيَّ، وَهِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيَّ رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، وَسَيَأْتِي

مَوْصُولًا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مُطَوَّلًا، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مُرَارَةُ، وَهِلَالٌ شَهِدَا بَدْرًا وَيُنْسَبُ الْوَهَمُ فِي ذَلِكَ إِلَى الزُّهْرِيِّ فَرَدَّ ذَلِكَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ عَنْهُ قَدْ أُخِذَ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِدْرَاجِ فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَرِيحٍ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَ وَصْفِهِمَا بِذَلِكَ مِنْ كَلَامِ كَعْبٍ أَنَّ كَعْبًا سَاقَهُ فِي مَقَامِ التَّأَسِّي بِهِمَا فَوَصَفَهُمَا بِالصَّلَاحِ وَبِشُهُودِ بَدْرٍ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْمَشَاهِدِ. فَلَمَّا وَقَعَ لَهُمَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْقُعُودِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَمِنَ الْأَمْرِ بِهَجْرِهِمَا كَمَا وَقَعَ لَهُ تَأَسَّى بِهِمَا.

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالدِّمْيَاطِيِّ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مُرَارَةَ، وَهِلَالًا فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ، وَأَمَّا

قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُمَا فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِمَّنْ شَهِدَ أُحُدًا، فَحَصْرٌ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُمَا كَذَلِكَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَلَيْسَ مَا يَقْتَضِيهِ صَنِيعُهُ بِحُجَّةٍ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُثْبِتِ لِشُهُودِهِمَا وَقَدْ ذَكَرَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ مُرَارَةَ شَهِدَ بَدْرًا فَإِنَّهُ سَاقَ نَسَبَهُ إِلَى الْأَوْسِ ثُمَّ قَالَ: شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ. وَقَدِ اسْتَقْرَيْتُ أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ شُهُودَهُمَا بَدْرًا فَوَجَدْتُهُ الْأَثْرَمَ صَاحِبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمْ أَزَلْ مُتَعَجِّبًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَرِيصًا عَلَى كَشْفِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَتَحْقِيقِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْأَثْرَمَ ذَكَرَ الزُّهْرِيَّ وَفَضْلَهُ وَقَالَ: لَا يَكَادُ يُحْفَظُ عَنْهُ غَلَطٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ مُرَارَةَ، وَهِلَالًا شَهِدَا بَدْرًا، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَالْغَلَطُ لَا يَخْلُو مِنْهُ إِنْسَانٌ.

قُلْتُ: وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ

قَوْلَهُ: شَهِدَا بَدْرًا مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي ثُبُوتِ ذَلِكَ نَظَرٌ لَا يَخْفَى كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ بِأَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا بَدْرًا مَا عُوقِبَا بِالْهَجْرِ الَّذِي وَقَعَ لَهُمَا بَلْ كَانَا يُسَامَحَانِ بِذَلِكَ كَمَا سُومِحَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ، قُلْتُ: وَهُوَ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَدِيثُ السَّابِعُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (ذُكِرَ لَهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ ذَاكِرِ ذَلِكَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ

قَوْلُهُ: وَكَانَ بَدْرِيًّا وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى بَدْرٍ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْضُرِ الْقِتَالَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ ضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَهْمٍ، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَهُ هُوَ وَطَلْحَةَ يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَارَ، فَوَقَعَ الْقِتَالُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَا، فَأَلْحَقَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْ شَهِدَهَا وَضَرَبَ لَهُمَا بِسَهْمَيْهِمَا وَأَجْرِهِمَا.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ إِلَخْ) يَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْعِدَدِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ وَأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَقَدْ وَصَلَ طَرِيقَ اللَّيْثِ هَذِهِ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ فِي مُصَنَّفِهِ فَأَخْرَجَهُ عَنْ مُطَّلِبِ بْنِ شُعيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بِتَمَامِهِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ:

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ قَالَ: قَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ فَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ.

قَوْلُهُ: (وَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: حَدَّثَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَدَّثَنِي.

قَوْلُهُ: (الْبُكَيْرُ) بِالتَّصْغِيرِ وَضُبِطَ أَيْضًا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِتَشْدِيدِ الْكَافِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا) زَادَ فِي التَّارِيخِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَمِثْلُهُ يَعْنِي مِثْلَ حَدِيثٍ قَبْلَهُ إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا لَمْ تَصْلُحْ لَهُ الْمَرْأَةُ فَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ مِنْهُ وَهِيَ

قَوْلُهُ: وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قُتَيْبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَسَاقَهُ مُطَوَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.