بَاب: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، ﴿بِر…
ترجمة الباب: بَاب: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، ﴿بِرُكْنِهِ﴾ بِمَنْ مَعَهُ لِأَنَّهُمْ قُوَّتُهُ، ﴿تَرْكَنُوا﴾ تَمِيلُوا، فَأَنْكَرَهُمْ ونَكِرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ، ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يُسْرِعُونَ، دَابِرٌ: آخِرٌ، صَيْحَةٌ: هَلَكَةٌ، ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلنَّاظِرِينَ، ﴿لَبِسَبِيلٍ﴾ لَبِطَرِيقٍ
أحاديث الباب: 3376، 3377، 3378، 3379، 3380، 3381
قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أَيْ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ.
قَوْلُهُ: ﴿بِرُكْنِهِ﴾ بِمَنْ مَعَهُ لِأَنَّهُمْ قُوَّتُهُ) هُوَ تَفْسِيرُ الْفَرَّاءِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ وَبِجَانِبِهِ سَوَاءٌ، إِنَّمَا يَعْنِي نَاحِيَتَهُ. وَقَالَ فِي
قَوْلِهِ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أَيْ ع شِيرَةٍ عَزِيزَةٍ مَنِيعَةٍ. كَذَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي قِصَّةِ لُوطٍ، وَهُوَ وَهْمٌ فَإِنَّهَا مِنْ قِصَّةِ مُوسَى وَالضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ وَقَعَ تِلْوَ قِصَّةِ لُوطٍ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ قِصَّةِ لُوطٍ: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ثُمَّ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ أَوْ ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا لِقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ لُوطٍ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾
قَوْلُهُ: ﴿تَرْكَنُوا﴾ تَمِيلُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي
قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لَا تَعْدِلُوا إِلَيْهِمْ وَلَا تَمِيلُوا، تَقُولُ: رَكَنْتُ إِلَى قَوْلِكَ أَيْ أَحْبَبْتُهُ وَقَبِلْتُهُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ لُوطٍ أَصْلًا. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ أَجْلِ مَادَّةِ رَكَنَ بِدَلِيلِ إِيرَادِهِ الْكَلِمَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ وَلَا تَرْكَنُوا.
قَوْلُهُ: (فَأَنْكَرَهُمْ وَنَكِرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ اسْتَنْكَرَهُمْ، وَهَذَا الْإِنْكَارُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ غَيْرُ الْإِنْكَارِ مِنْ لُوطٍ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَنْكَرَهُمْ لَمَّا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِ، وَأَمَّا لُوطٌ فَأَنْكَرَهُمْ لَمَّا لَمْ يُبَالُوا بِمَجِيءِ قَوْمِهِ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنْ لَهَا تَعَلُّقٌ مَعَ كَوْنِهَا لِإِبْرَاهِيمَ بِقِصَّةِ لُوطٍ.
قَوْلُهُ: (يُهْرَعُونَ يُسْرِعُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَسْتَحِثُّونَ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
بِمُعَجَّلَاتٍ نَحْوَهُمْ نُهَارِعُ،
أَيْ نُسَارِعُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُزْعِجُونَ مَعَ الْإِسْرَاعِ.
قَوْلُهُ: (دَابِرَ آخِرَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي تَفْسِيرِ
قَوْلِهِ: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ﴾ أَيْ آخِرَهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿صَيْحَةً﴾ هَلَكَةً) هُوَ تَفْسِيرُ
قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وَلَمْ أَعْرِفْ وَجْهَ دُخُولِهِ هُنَا، لَكِنْ لَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى
قَوْلِهِ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِقَوْمِ لُوطٍ.
قَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلنَّاظِرِينَ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أَيْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ، وَيُقَالُ: لِلنَّاظِرِينَ الْمُتَفَرِّسِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيِ الْمُتَبَصِّرِينَ الْمُتَثَبِّتِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَبِسَبِيلٍ﴾ لَبِطَرِيقٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ; وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنَّهَا﴾ يَعُودُ عَلَى مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْآيَاتِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ يَعْنِي بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْقَمَرِ.
(تَنْبِيهَانِ):
أَحَدُهُمَا: هَذِهِ التَّفَاسِيرُ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ.
(ثَانِيهِمَا): أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذَا قِصَّةَ ثَمُودَ وَصَالِحٍ، وَقَدْ قَدَّمْتُهَا فِي مَكَانِهَا عَقِبَ قِصَّةِ عَادٍ وَهُودٍ، وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي إِيرَادِهَا هُنَا أَنَّهُ لَمَّا أَوْرَدَ التَّفَاسِيرَ مِنْ سُورَةِ الْحِجْرِ كَانَ آخِرُهَا
قَوْلَهُ: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾، ﴿إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾، ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ * وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ إِلَخْ، فَجَاءَتْ قِصَّةُ ثَمُودٍ وَهُمْ أَصْحَابُ الْحِجْرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ تَالِيَةً لِقِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ، وَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا قِصَّةُ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ مُخْتَصَرَةً فَأَوْرَدَهَا مَنْ أَوْرَدَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الِاعْتِذَارَ عَنْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
[١٨ - باب: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت.]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللِّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ - وَقَوْلُهُ - ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ هُوَ صَالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أَسِيفِ بْنِ مَاشَخِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَاجِرِ بْنِ ثَمُودَ بْنِ عَامرِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِالْحِجْرِ، وَهُوَ بَيْنَ تَبُوكَ وَالْحِجَازِ.
قَوْلُهُ: (الْحِجْرُ مَوْضِعُ ثَمُودَ، وَأَمَّا حَرْثٌ حِجْرٌ: حَرَامٌ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أَيْ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهُوَ حِجْرٌ، وَمِنْهُ حِجْرًا مَحْجُورًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا.
قَوْلُهُ: (وَالْحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ، وَمَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ حِجْرٌ، وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَمِنَ الْحَرَامِ سُمِّيَ حِجْرُ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ حُطَامًا لِأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الْبَيْتِ وَتُرِكَ هُوَ مَحْطُومًا، وَقِيلَ: الْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، سُمِّيَ حَطِيمًا لِازْدِحَامِ النَّاسِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ) أَيِ الْحَطِيمَ (مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ) وَهَذَا عَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ حَطِيمًا لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَطْرَحُ فِيهِ ثِيَابَهَا الَّتِي تَطُوفُ فِيهَا وَتَتْرُكُهَا حَتَّى تَتَحَطَّمَ وَتَفْسُدَ بِطُولِ الزَّمَانِ، وَسَيَأْتِي هَذَا فِيمَا بَعْدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَعَلَى هَذَا هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَقِيلَ: سُمِّيَ حَطِيمًا لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَعْبَةِ، فَأُخْرِجَ عَنْهَا؛ وَكَأَنَّهُ كُسِرَ مِنْهَا. فَيَصِحُّ لَهُمْ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَقَوْلُهُ: مُشْتَقٌّ لَيْسَ هُوَ مَحْمُولًا عَلَى الِاشْتِقَاقِ الَّذِي حَدَثَ اصْطِلَاحُهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ حِجْرٌ، وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ حِجْرٌ وَحِجَى) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أَيْ عَقْلٍ، قَالَ: وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ: حِجْرٌ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا حِجْرُ الْيَمَامَةِ فَهُوَ الْمَنْزِلُ) ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا، وَإِلَّا فَهَذَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هِيَ قَصَبَةُ الْيَمَامَةِ الْبَلَدُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ فِي ذِكْرِ عَاقِرِ النَّاقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنَعَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي قَوْمِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالسَّرَخْسِيِّ فِي قُوَّةٍ.
قَوْلُهُ: (كَأَبِي زَمْعَةَ) هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ حَيْثُ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا.
وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ، وَقَدْ فَرَّقَهَا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ. وَعَاقِرُ النَّاقَةِ اسْمُهُ قِدَارُ بْنُ سَالِفٍ، قِيلَ: كَانَ أَحْمَرَ أَزْرَقَ أَصْهَبَ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ سَبَبَ عَقْرِهِمُ النَّاقَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا اقْتَرَحُوهَا عَلَى صَالِحٍ ﵇، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَعَنَّتُوا فِي وَصْفِهَا، فَأَخْرَجَ اللَّهُ لَهُ نَاقَةً مِنْ صَخْرَةٍ بِالصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ، فَآمَنَ بَعْضٌ وَكَفَرَ بَعْضٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا النَّاقَةَ تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ وَتَرِدُ الْمَاءَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَكَانَتْ إِذَا وَرَدَتْ تَشْرَبُ مَاءَ الْبِئْرِ كُلِّهِ، وَكَانُوا يَرْفَعُونَ حَاجَتَهُمْ مِنَ الْمَاءِ فِي يَوْمِهِمْ لِلْغَدِ، ثُمَّ ضَاقَ بِهِمُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ فَانْتَدَبَ تِسْعَةَ رَهْطٍ - مِنْهُمْ قِدَارُ الْمَذْكُورُ فَبَاشَرَ عَقْرَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ صَالِحًا ﵇ أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّ الْعَذَابَ سَيَقَعُ بِهِمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَوَقَعَ كَذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ فِي كِتَابِهِ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: أنَّ النَّاقَةَ كَانَتْ تَرِدُ يَوْمَهَا فَتَشْرَبُ
جَمِيعَ الْمَاءِ وَيَحْتَلِبُونَ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي كَانَتْ تَشْرَبُ. وَفِي سَنَدِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ غَيْرِ الشَّامِيِّينَ ضَعْفٌ وَهَذَا مِنْهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بِئْرِ ثَمُودَ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُهْرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عَقِبَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِيَارِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ.
قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، وَأَبِي الشُّمُوسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ الطَّعَامِ) أَمَّا حَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فَوَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ سَبْرَةَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ - الْجُهَنِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ حِينَ رَاحَ مِنَ الْحِجْرِ: مَنْ كَانَ عَجَنَ مِنْكُمْ مِنْ هَذَا الْمَاءِ عَجِينَهُ أَوْ حَاسَ بِهِ حَيْسًا فَلْيُلْقِهِ. وَلَيْسَ لِسَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ كَالَّذِي بَعْدَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الشُّمُوسِ - وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ بَكْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ - فَوَصَلَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ مُطَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - فَأَلْقَى ذُو الْعَجِينِ عَجِينَهُ وَذُو الْحَيْسِ حَيْسَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ حَسَيْتُ حَيْسَةً، أَفَأُلْقِمُهَا رَاحِلَتِي؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنِ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ) وَصَلَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ عَنْهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَأَتَوْا عَلَى وَادٍ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّكُمْ بِوَادٍ مَلْعُونٍ فَأَسْرِعُوا، وَقَالَ: مَنِ اعْتَجَنَ عَجِينَهُ أَوْ طَبَخَ قِدْرًا فَلْيَكُبَّهَا. الْحَدِيثَ. وَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ نَافِعٍ (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَ تَرِدُهَا النَّاقَةُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ زِيَادَةً عَلَى الرِّوَايَاتِ الْمَاضِيَةِ. وَسُئِلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ: مِنْ أَيْنَ عُلِمَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ؟ فَقَالَ: بِالتَّوَاتُرِ، إِذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَهَا بِالْوَحْيِ، وَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى مَنْ سَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الِاسْتِقَاءِ مِنْ بِيَارِ ثَمُودَ، وَيَلْتَحِقُ بِهَا نَظَائِرُهَا مِنَ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ الَّتِي كَانَتْ لِمَنْ هَلَكَ بِتَعْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُفْرِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْكَرَاهَةِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ هِيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ؟ وَعَلَى التَّحْرِيمِ هَلْ يَمْتَنِعُ صِحَّةُ التَّطَهُّرِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ مِنْ أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أُسَامَةُ) يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ اللَّيْثِيَّ (عَنْ نَافِعٍ) أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رُوِينَا هَذِهِ الطَّرِيقَ مَوْصُولَةً فِي حَدِيثِ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَفِي آخِرِهِ: وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى بِئْرِ نَاقَةِ صَالِحٍ وَيَسْتَقُوا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. أَنْفُسَهُمْ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَسَاكِنَ ثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ كَصِفَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ وَرَدَ فِيهِمْ. قَوْلُهُ في الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (حَدَّثَنَا وَهْبٌ) هُوَ ابْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، لَكِنْ زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ قَالَ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْيَاءَ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ فِي الْأَصْلِ فَاسْتُثْقِلَتِ الْكَسْرَةُ وَحُذِفَتْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ) أَيْ كَرَاهِيَةَ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا يُصِيبَكُمْ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَتَبَاكَوْا خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجْرِ قَالَ: لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ، فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالِحٍ، وَكَانَتِ النَّاقَةُ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَكَانَتْ تَشْرَبُ يَوْمًا وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا فَعَقَرُوهَا فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَهْمَدَ اللَّهُ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَهُوَ أَبُو رِغَالٍ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَبُو رِغَالٍ هُوَ الْجَدُّ الْأَعْلَى لِثَقِيفٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
(تَنْبِيهٌ):
وَقَعَ هَذَا الْبَابُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ بِعِدَّةِ أَبْوَابٍ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ هُنَا، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا حَكَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ أَنَّ نُسْخَةَ الْأَصْلِ مِنَ الْبُخَارِيِّ كَانَتْ وَرَقًا غَيْرَ مَحْبُوكٍ، فَرُبَّمَا وُجِدَتِ الْوَرَقَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَنُسِخَتْ عَلَى مَا وُجِدَتْ، فَوَقَعَ فِي بَعْضِ التَّرَاجِمِ إِشْكَالٌ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمُودَ كَانُوا بَعْدَ عَادٍ كَمَا كَانَ عَادٌ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.