بَاب إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ
أحاديث الباب: 3062
قَوْلُهُ: (بَابُ إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي قَاتَلَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ مَعْمَرٍ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي عَطْفِهِ لِطَرِيقِهِ عَلَى طَرِيقِ شُعَيْبٍ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ: لَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلَهُ ﷺ: لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا خَاصٌّ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْفَاجِرَ غَيْرَ الْمُشْرِكِ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ بِالْأَوَّلِ، وَحُجَّةُ النَّسْخِ شُهُودُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ حُنَيْنًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُشْرِكٌ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَغَازِي، وَأَجَابَ غَيْرُهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَوْجُهٍ غَيْرِ هَذِهِ: مِنْهَا أَنَّهُ
ﷺ تَفَرَّسَ فِي الَّذِي قَالَ لَهُ: لَا أَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ الرَّغْبَةَ فِي الْإِسْلَامِ، فَرَدَّهُ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ فَصَدَقَ ظَنُّهُ، وَمِنْهَا أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَيَحْتَاجُ مُدَّعِي التَّخْصِيصِ إِلَى دَلِيلٍ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: قِصَّةُ صَفْوَانَ لَا تُعَارِضُ
قَوْلَهُ: لَا أَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ؛ لِأَنَّ صَفْوَانَ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِاخْتِيَارِهِ، لَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِذَلِكَ، قُلْتُ: وَهِيَ تَفْرِقَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَلَا أَثَرَ لَهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَقُولُ بِهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ فَالتَّقْرِيرُ يَقُومُ مَقَامَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ أَنْ لَا يُتَخَيَّلَ فِي الْإِمَامِ إِذَا حَمَى حَوْزَةَ الْإِسْلَامِ وَكَانَ غَيْرَ عَادِلٍ أَنَّهُ يَطْرَحُ النَّفْعَ فِي الدِّينِ لِفُجُورِهِ، فَيَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ أَنَّ هَذَا التَّخَيُّلَ مُنْدَفِعٌ بِهَذَا النَّصِّ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ يُؤَيِّدُ دِينَهُ بِالْفَاجِرِ، وَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.