كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب الْأُسَارَى فِي السَّلَاسِلِ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الجهاد والسير حديث 3010

أحاديث الباب: 3010

قَوْلُهُ: (بَابُ الْأُسَارَى فِي السَّلَاسِلِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ بِلَفْظِ: يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الْعَجَبِ فِي حَقِّ اللَّهِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ الرِّضَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ وَضْعِ السَّلَاسِلِ فِي الْأَعْنَاقِ فَالتَّرْجَمَةُ مُطَابِقَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمَجَازَ عَنِ الْإِكْرَاهِ فَلَيْسَتْ مُطَابِقَةً.

قُلْتُ: الْمُرَادُ بِكَوْنِ السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ مُقَيَّدٌ بِحَالَةِ الدُّنْيَا، فَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَكَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا فِي السَّلَاسِلِ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ يَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أُسِرُوا وَقُيِّدُوا، فَلَمَّا عَرَفُوا صِحَّةَ الْإِسْلَامِ دَخَلُوا طَوْعًا، فَدَخَلُوا الْجَنَّةَ، فَكَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَسْرِ وَالتَّقْيِيدِ هُوَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الْإِكْرَاهِ التَّسَلْسُلَ، وَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَبُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ أَقَامَ الْمُسَبَّبَ مَقَامَ السَّبَبِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّلْسَلَةِ: الْجَذْبَ الَّذِي يَجْذِبُهُ الْحَقُّ مَنْ خَلَّصَ عِبَادَهُ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الْهُبُوطِ فِي مَهَاوِي الطَّبِيعَةِ إِلَى الْعُرُوجِ لِلدَّرَجَاتِ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَنَحْوُهُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ رَفَعَهُ: رَأَيْتُ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ كَرْهًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ مِنَ الْعَجَمِ يَسْبِيهُمُ الْمُهَاجِرُونَ فَيُدْخِلُونَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ مُكْرَهِينَ.

وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فَمَنَعَ حَمْلَهُ عَلَى حَقِيقَةِ التَّقْيِيدِ، وَقَالَ: الْمَعْنَى: يُقَادُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ مُكْرَهِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ثَمَّ سِلْسِلَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُسْلِمِينَ الْمَأْسُورِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْكُفْرِ يَمُوتُونَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُقْتَلُونَ فَيُحْشَرُونَ كَذَلِكَ، وَعَبَّرَ عَنِ الْحَشْرِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ لِثُبُوتِ دُخُولِهِمْ عَقِبَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.