كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب الْأَجِيرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: يُقْسَمُ لِلْأَجِيرِ مِنْ الْمَغْنَمِ…

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الجهاد والسير حديث 2973

ترجمة الباب: بَاب الْأَجِيرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: يُقْسَمُ لِلْأَجِيرِ مِنْ الْمَغْنَمِ. وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ فَرَسًا عَلَى النِّصْفِ، فَبَلَغَ سَهْمُ الْفَرَسِ أَرْبَعَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَخَذَ مِائَتَيْنِ وَأَعْطَى صَاحِبَهُ مِائَتَيْنِ

أحاديث الباب: 2973

قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَجِيرِ) لِلْأَجِيرِ فِي الْغَزْوِ حَالَانِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتُؤْجِرَ لِلْخِدْمَةِ أَوِ اسْتُؤْجِرَ لِيُقَاتِلَ، فَالْأَوَّلُ؛ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا يُسْهَمُ لَهُ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: يُسْهَمُ لَهُ؛ لِحَدِيثِ سَلَمَةَ كُنْتُ أَجِيرًا لِطِلْحَةَ أَسُوسُ فَرَسَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْهَمَ لَهُ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ إِلَّا إِنْ قَاتَلَ. وَأَمَّا الْأَجِيرُ إِذَا اسْتُؤْجِرَ لِيُقَاتِلَ فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لَا يُسْهَمُ لَهُ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَهُ سَهْمُهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَاسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا عَلَى الْغَزْوِ لَمْ يُسْهَمْ لَهُمْ سِوَى الْأُجْرَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، أَمَّا الْحُرُّ الْبَالِغُ الْمُسْلِمُ إِذَا حَضَرَ الصَّفَّ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ فَيُسْهَمُ لَهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: يُقْسَمُ لِلْأَجِيرِ مِنَ الْمَغْنَمِ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُمَا بِلَفْظِ: يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا بِلَفْظِ: الْعَبْدُ وَالْأَجِيرُ إِذَا شَهِدَا الْقِتَالَ أُعْطُوا مِنَ الْغَنِيمَةِ.

قَوْلُهُ: (وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ فَرَسًا عَلَى النِّصْفِ إِلَخْ) وَهَذَا الصَّنِيعُ جَائِزٌ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ الْمُخَابَرَةَ، وَقَالَ بِصِحَّتِهِ هُنَا الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ خِلَافًا لِلثَّلَاثَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْمُخَابَرَةِ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْقِصَاصِ ; وَالْغَرَضُ مِنْهُ

قَوْلُهُ: فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا قَالَ الْمُهَلَّبُ: اسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازَ اسْتِئْجَارِ الْحُرِّ فِي الْجِهَادِ، وَقَدْ خَاطَبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الْآيَةَ فَدَخَلَ الْأَجِيرُ فِي هَذَا الْخِطَابِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَوْضَحَ مِنَ الَّذِي هُنَا وَلَفْظُهُ: أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ، فَالْتَمَسْتُ أَجِيرًا يَكْفِينِي وَأُجْرِي لَهُ سَهْمِي، فَوَجَدْتُ رَجُلًا، فَلَمَّا دَنَا الرَّحِيلُ أَتَانِي فَقَالَ: مَا أَدْرَى مَا سَهْمُكَ وَمَا يَبْلُغُ؟ فَسَمِّ لِي شَيْئًا، كَانَ السَّهْمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَسَمَّيْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ الْحَدِيثَ.

وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَهُوَ أَوْثَقُ أَعْمَالِي ; فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ: أَحْمَالِي، بِالْمُهْمَلَةِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بِالْجِيمِ، وَالَّذِي قَاتَلَ الْأَجِيرُ هُوَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ نَفْسُهُ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

(تَنْبِيهَانِ):

الْأَوَّلُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بَيْنَ أَثَرِ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ وَحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: بَابُ

اسْتِعَارَةِ الْفَرَسِ فِي الْغَزْوِ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَخْلُوَ بَابُ الْأَجِيرِ مِنْ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَأَنَّهُ وَجَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي الطُّرَّةِ خَالِيَةً عَنْ حَدِيثٍ فَظَنَّ أَنَّ هَذَا مَوْضِعَهَا. وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ التَّرْجَمَةِ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا وَهِيَ بَابُ الْخُرُوجِ فِي الْفَزَعِ وَحْدَهُ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُورِدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ فَرَسِ أَبِي طَلْحَةَ أَيْضًا فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ ابْنَ شَبُّوَيْهِ جَعَلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مُسْتَقِلَّةً قَبْلَ بَابِ الْأَجِيرِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَأَوْرَدَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَقِبَ بَابِ الْأَجِيرِ وَقَالَ: لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا حَدِيثًا.

ثَانِيهِمَا: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ تَقْدِيمُ بَابِ الْجَعَائِلِ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى هُنَا وَأَخَّرَ ذَلِكَ الْبَاقُونَ وَقَدَّمُوا عَلَيْهِ بَابُ مَا قِيلَ فِي لِوَاءِ النَّبِيِّ ﷺ. وَالْخَطْبُ فِيهِ قَرِيبٌ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.