بَاب دَعْوَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَعَلَى مَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ؟
وَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ وَالدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ
قَوْلُهُ: (بَابُ دَعْوَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) أَيْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى مَا يُقَاتِلُونَ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ عَنْ عَلِيٍّ حَيْثُ قَالَ: تُقَاتِلُوهُمْ حتى يَكُونُوا مِثْلَنَا وَفِيهِ أَمْرُهُ ﷺ لَهُ بِالنُّزُولِ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ الْقِتَالُ، وَوَجْهُ أَخْذِهِ مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ إِلَى الرُّومِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى مُقَاتَلَهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ) قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ مُسْنَدًا، وَقَوْلُهُ وَالدَّعْوَةُ قَبْلَ الْقِتَالِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ فِي إِغَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ عَلَى غِرَّةٍ، وَهُوَ مُتَخَرَّجٌ عِنْدَهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِاشْتِرَاطِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ عَلَى أَنَّهُ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ: فَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى اشْتِرَاطِ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ قَبْلَ انْتِشَارِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ لَمْ يُقَاتَلْ حَتَّى يُدْعَى، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ قُوتِلَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لِاشْتِهَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ فَالدَّعْوَةُ أَقْطَعُ لِلشَّكِّ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ قَالَ: كُنَّا نَدْعُو وَنَدَعُ. قُلْتُ: وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى الْحَالَيْنِ
الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ.
ثَانِيهِمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ كِتَابَهُ إِلَى كِسْرَى وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي وَفِيهِ أَنَّ الْمَبْعُوثَ بِهِ كَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِكِسْرَى وَمَا الْمُرَادُ بِعَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ؟. وَفِي الْحَدِيثِ الدُّعَاءُ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْكَلَامِ وَالْكِتَابَةِ وَأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ. وَفِيهِ إِرْشَادُ الْمُسْلِمِ إِلَى الْكَافِرِ وَأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ الْمُلُوكِ بِتَرْكِ قَتْلِ الرُّسُلِ وَلِهَذَا مَزَّقَ كِسْرَى الْكِتَابَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرَّسُولِ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.