كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الجهاد والسير حديث 2924

أحاديث الباب: 2924

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ) أَيْ مِنَ الْفَضْلِ، وَاخْتُلِفَ فِي الرُّومِ فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ عَيْصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَاسْمُ جَدِّهِمْ قِيلَ: رُومَانِيٌّ وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ لَيْطَا بْنِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ شَامِيُّونَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْفَرَادِيسِيُّ نُسِبَ لِجَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (عُمَيْرُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيُّ) بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ شَامِيٌّ قَدِيمٌ يُقَالُ اسْمُهُ عَمْرٌو، وَعُمَيْرٌ بِالتَّصْغِيرِ لَقَبُهُ، وَكَانَ عَابِدًا مُخَضْرَمًا، وَكَانَ عُمَرُ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عِيَاضٍ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ، وَالرَّاجِحُ التَّفْرِقَةُ وَأُمُّ حَرَامٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهَا أَنَسٌ هَذَا الْحَدِيثَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. وَأَخْرَجَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَ هِشَامٌ: رَأَيْتُ قَبْرَهَا بِالسَّاحِلِ.

قَوْلُهُ: (يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ) يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِمُعَاوِيَةَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيدَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ، وَابْنُ الْمُنِيرِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ دُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ أَنْ لَا يَخْرُجَ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ إِذْ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: مَغْفُورٌ لَهُمْ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى لَوِ ارْتَدَّ وَاحِدٌ مِمَّنْ غَزَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ اتِّفَاقًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَغْفُورٌ لِمَنْ وُجِدَ شَرْطُ الْمَغْفِرَةِ فِيهِ مِنْهُمْ.

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ التِّينِ يُحْتَمَلُ أَنْ

يَكُونَ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ الْجَيْشِ فَمَرْدُودٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ لَمْ يُبَاشِرِ الْقِتَالَ: فَيُمْكِنُ فَإِنَّهُ كَانَ أَمِيرَ ذَلِكَ الْجَيْشِ بِالِاتِّفَاقِ. وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَدِينَةِ قَيْصَرَ الْمَدِينَةُ الَّتِي كَانَ بِهَا يَوْمَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تِلْكَ الْمَقَالَةَ وَهِيَ حِمْصُ وَكَانَتْ دَارَ مَمْلَكَتِهِ إِذْ ذَاكَ، وَهَذَا يَنْدَفِعُ بِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِينَ يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّ أُمَّ حَرَامٍ فِيهِمْ، وَحِمْصُ كَانَتْ قَدْ فُتِحَتْ قَبْلَ الْغَزْوَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا أُمُّ حَرَامٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَكَانَتْ غَزْوَةُ يَزِيدَ الْمَذْكُورَةُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَفِي تِلْكَ الغزاة مَاتَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ بَابِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَأَنْ يُعْفَى قَبْرُهُ فَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. فَيُقَالُ: إِنَّ الرُّومَ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَسْقُونَ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا التَّرْغِيبُ فِي سُكْنَى الشَّامِ، وَقَوْلُهُ: قَدْ أَوْجَبُوا أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّةُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.