كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب تَمَنِّي الشَّهَادَةِ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الجهاد والسير الأحاديث 2797–2798

أحاديث الباب: 2797، 2798

قَوْلُهُ: (بَابُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِهَادِ وَأَنَّ تَمَنِّيَهَا وَالْقَصْدَ لَهَا مُرَغَّبٌ فِيهِ مَطْلُوبٌ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ مِنْهَا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ يُصِبْهَا أَيْ أُعْطِيَ ثَوَابَهَا وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي الْمُرَادِ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ مَنْ سَأَلَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مِثْلُهُ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ ابْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ هُنَا وَأَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو فِي بَابِ الْجِهَادِ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَأَبُو صَالِحٍ وَهُوَ فِي بَابِ الْجَعَائِلِ وَالْحُمْلَانِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالْأَعْرَجُ وَهُوَ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي، وَهَمَّامٌ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي صَالِحٍ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي وَرِوَايَةُ الْبَابِ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِالْمَشَقَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ أَنَّ نُفُوسَهُمْ لَا تَطِيبُ بِالتَّخَلُّفِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّأَهُّبِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ آلَةِ السَّفَرِ مِنْ مَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ وَتَعَذُّرِ وُجُودِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَلَفْظُهُ لَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَحْوُهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ وَفِيهِ وَلَوْ خَرَجْتُ مَا بَقِيَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا انْطَلَقَ مَعِي، وَذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ مِنَ الزِّيَادَةِ وَيَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي.

قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي

زُرْعَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ بِحَذْفِ الْقَسَمِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ لِمَا بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، فَظَهَرَ أَنَّ اللَّامَ لَامُ الْقَسَمِ وَلَيْسَتْ بِجَوَابِ لَوْلَا، وَفَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ قَوْلَهُ لَوَدِدْتُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَا قَعَدْتُ فَقَالَ: يَجُوزُ حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهَا مِنْ جَوَابِ لَوْلَا، وَجَعَلَ الْوِدَادَةَ مُمْتَنِعَةً خَشْيَةَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ لَوْ وُجِدَتْ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّفُ اسْتِشْكَالَ ذَلِكَ وَالْجَوَابَ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ الْبَابِ أَنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَأَنَّ اللَّامَ جَوَابُ الْقَسَمِ. ثُمَّ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَقِبَ تِلْكَ إِرَادَةُ تَسْلِيَةِ الْخَارِجِينَ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُرَافَقَتِهِ لَهُمْ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: الْوَجْهُ الَّذِي يَسِيرُونَ لَهُ فِيهِ مِنَ الْفَضْلِ مَا أَتَمَنَّى لِأَجْلِهِ أَنِّي أُقْتَلُ مَرَّاتٍ، فَمَهْمَا فَاتَكُمْ مِنْ مُرَافَقَتِي وَالْقُعُودِ مَعِي مِنَ الْفَضْلِ يَحْصُلُ لَكُمْ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ مِنْ فَضْلِ الْجِهَادِ، فَرَاعَى خَوَاطِرَ الْجَمِيعِ. وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي وَتَخَلَّفَ عَنْهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ حَيْثُ رَجَحَتْ مَصْلَحَةُ خُرُوجِهِ عَلَى مُرَاعَاةِ حَالِهِمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ.

قَوْلُهُ: (أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ صُدُورَ هَذَا التَّمَنِّي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ فَإِنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي أَوَائِلِ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرَّحَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَمَنِّيَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، فَقَدْ قَالَ ﷺ وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَبَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّمَنِّي نَظَائِرُ لِذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ فَضْلِ الْجِهَادِ وَتَحْرِيضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا أَشْبَهُ.

وَحَكَى شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّ

قَوْلَهُ: وَلَوَدِدْتُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ، وَبَيَانُ شِدَّةِ شَفَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ وَاسْتِحْبَابُ طَلَبِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَجَوَازُ قَوْلِ وَدِدْتُ حُصُولَ كَذَا مِنَ الْخَيْرِ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ. وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ أَرْجَحَ أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، وَفِيهِ جَوَازُ تَمَنِّي مَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ، وَالسَّعْيُ فِي إِزَالَةِ الْمَكْرُوهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَدٌ قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ لِلْقَادِرِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ فَمَعْذُورٌ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وَأَدِلَّةُ كَوْنِ الْجِهَادِ فَرْضَ كِفَايَةٍ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ هَذَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي بَابِ وُجُوبِ النَّفِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ) بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ يُكَنَّى أَبَا يَعْقُوبَ، لَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ مِنْ شَيْخِهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ فَصَاعِدًا بَصْرِيُّونَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْمَتْنِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا أَيْ لَمَّا رَأَوْا مِنَ الْكَرَامَةِ بِالشَّهَادَةِ فَلَا يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الدُّنْيَا كَمَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَشْهِدُوا مَرَّةً أُخْرَى، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَدَلِيلُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشَّهِيدُ الْحَدِيثَ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.