بَاب مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَعَلَّ بَعْضَكُمْ…
ترجمة الباب: بَاب مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَقَالَ طَاوُسٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَشُرَيْحٌ: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ
أحاديث الباب: 2680
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْيَمِينِ) أَيْ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ رَضِيَ الْمُدَّعِي بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إِنِ اسْتَحْلَفَهُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ عَلِمَهَا قُبِلَتْ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ عَلِمَهَا فَتَرَكَهَا فَلَا حَقَّ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ الرِّضَا بِالْيَمِينِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ فَقَدْ بَرِئَ وَإِذَا بَرِئَ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَبْرَأُ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَوْصُولِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَنَّ الْحُكْمَ الظَّاهِرَ لَا يُصَيِّرُ الْحَقَّ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا الْبَاطِلَ حَقًّا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ، وَإِبْرَاهِيمُ) أَيِ النَّخَعِيُّ (وَشُرَيْحٌ: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ) أَمَّا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَإِبْرَاهِيمَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِمَا مَوْصُولَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ شُرَيْحٍ فَوَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: مَنِ ادَّعَى قَضَائِي فَهُوَ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، الْحَقُّ أَحَقُّ مِنْ قَضَائِي، الْحَقُّ أَحَقُّ مِنْ يَمِينٍ فَاجِرَةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ قَالَ: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ خَيْرٌ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّمَا قَيَّدَ الْيَمِينَ بِالْفَاجِرَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا شَهِدَ عَلَى الْحَالِفِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ، بِخِلَافِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ يَمِينَهُ حِينَئِذٍ فَاجِرَةٌ، وَإِلَّا فَقَدْ يُوَفِّي الرَّجُلُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ صَادِقٌ ثُمَّ تَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي شَهِدَتْ بِأَصْلِ الْحَقِّ وَلَمْ يَحْضُرِ الْوَفَاءَ فَلَا تَكُونُ الْيَمِينُ حِينَئِذٍ فَاجِرَةً.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ
مَرْفُوعًا: أنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، الْحَدِيثَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ دَلَالَةٌ عَلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ يَمِينِ الْمُنْكِرِ. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: مَوْضِعُ الِاسْتِشْهَادِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْعَلِ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ مُفِيدَةً حِلًّا وَلَا قَطْعًا لِحَقِّ الْمُحِقِّ، بَلْ نَهَاهُ بَعْدَ يَمِينِهِ مِنَ الْقَبْضِ، وَسَاوَى بَيْنَ حَالَتَيْهِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَهَا فِي التَّحْرِيمِ، فَيُؤْذِنُ ذَلِكَ بِبَقَاءِ حَقِّ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِذَا ظَفِرَ فِي حَقِّهِ بِبَيِّنَةٍ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا لَمْ يَسْقُطْ، كَمَا لَمْ يَسْقُطْ أَصْلُ حَقِّهِ مِنْ ذِمَّةِ مُقْتَطعة بِالْيَمِينِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ شَرْحِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.