كتب الحديث
النبوي الشريف

باب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها الأحاديث 2615–2618

أحاديث الباب: 2615، 2617، 2618

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ

وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ.

وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ.٢٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا.ﷺ"

قَوْلُهُ: (بَابُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ جَوَازِ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي رَدِّ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ، وَرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الَّذِي يُدْعَى مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَهْدَى لَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ الْحَدِيثَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَا يَصِحُّ.

وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِيَاضٍ قَالَ:

أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً فَقَالَ: أَسْلَمْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ، وَالزَّبْدُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الرَّفْدُ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى الْجَوَازِ، فَجَمَعَ بَيْنَهَا الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِيمَا أُهْدِيَ لَهُ خَاصَّةً وَالْقَبُولَ فِيمَا أُهْدِيَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ الْجَوَازِ مَا وَقَعَتِ الْهَدِيَّةُ فِيهِ لَهُ خَاصَّةً، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ بِهَدِيَّتِهِ التَّوَدُّدَ وَالْمُوَالَاةَ، وَالْقَبُولَ فِي حَقِّ مَنْ يُرْجَى بِذَلِكَ تَأْنِيسُهُ وَتَأْلِيفُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ يُحْمَلُ الْقَبُولُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ. وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى نَسْخَ الْمَنْعِ بِأَحَادِيثِ الْقَبُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ الثَّلَاثَةُ ضَعِيفَةٌ فَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَلَا التَّخْصِيصِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ بِسَارَةَ) الْحَدِيثَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَرِدْ مِنْ شَرْعِنَا إِنْكَارُهُ.

قَوْلُهُ: (وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ فِي طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ الْآنَ خَرَابٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي الزَّكَاةِ.

وَقَوْلُهُ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِبَحْرِهِمْ أَيْ بِبَلَدِهِمْ، وَحَمَلَهُ الدَّاوُدِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَوَهَمَ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَّنِفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي جُبَّةِ الْسُّنْدُسِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (أُهْدِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَنْهَى) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (عَنِ الْحَرِيرِ) وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (إِلَخْ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ بِهِ وَقَالَ فِيهِ: جُبَّةُ سُنْدُسٍ أَوْ دِيبَاجٍ، شَكَّ سَعِيدٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ التَّخَالُفِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ بَيَانَ الَّذِي أَهْدَى لِتَظْهَرَ مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ فِيهِ: إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَأُكَيْدِرُ دُومَةَ هُوَ أُكَيْدِرٌ تَصْغِيرُ أَكْدَرَ، وَدُومَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَلَدٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، وَهِيَ دُومَةُ الْجَنْدَلِ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ تَبُوكَ بِهَا نَخْلٌ وَزَرْعٌ وَحِصْنٌ عَلَى عَشْرِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَثَمَانٍ مِنْ دِمَشْقَ، وَكَانَ أُكَيْدِرُ مَلِكَهَا، وَهُوَ أُكَيْدِرُ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْجِنِّ - بِالْجِيمِ وَالنُّونِ - ابْنِ أَعْبَاءَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُنْسَبُ إِلَى كِنْدَةَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ فَأَسَرَهُ وَقَتَلَ أَخَاهُ حَسَّانَ وَقَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ، فَصَالَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْجِزْيَةِ وَأَطْلَقَهُ، ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّتَهُ مُطَوَّلَةً فِي الْمَغَازِي.

وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أَخْرَجَ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ فَرَجَعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ: شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْحُلَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلِيٌّ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ هِيَ هَذِهِ الَّتِي أَهْدَاهَا أُكَيْدِرٌ، وَسَيَأْتِي الْمُرَادُ بِالْفَوَاطِمِ فِي اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا: أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَازِي، وَاسْمُ الْيَهُودِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ زَيْنَبُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا) زَادَ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ هُنَا فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ: إِنَّهَا جَعَلَتْ فِيهِ سُمًّا، وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ

قَوْلِهِ: فَجِيءَ بِهَا إِلَى

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ أَلَا نَقْتُلُهَا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (فِي لَهَوَاتٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ لَهَاةٍ، وَهِيَ سَقْفُ الْفَمِ أَوِ اللَّحْمَةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى الْحَلْقِ، وَقِيلَ: هِيَ أَقْصَى الْحَلْقِ، وَقِيلَ: مَا يَبْدُو مِنَ الْفَمِ عِنْدَ التَّبَسُّمِ.

ثَالِثُهَا: حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْبُيُوعِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيَّ.

قَوْلُهُ: (صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ) بِالرَّفْعِ وَالضَّمِيرُ لِلصَّاعِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَلَا عَلَى اسْمِ صَاحِبِ الصَّاعِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (مُشْعَانٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ ثَقِيلَةٌ، فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِأَنَّهُ الطَّوِيلُ جِدًّا فَوْقَ الطُّولِ، وَزَادَ غَيْرُهُ: مَعَ إِفْرَادِ الطُّولِ شَعِثِ الرَّأْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّهُ أَقْوَى لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: مُشْعَانٌ طَوِيلٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ

قَوْلُهُ: طَوِيلٌ تَفْسِيرًا لِمُشْعَانٍ. وَقَالَ الْقَزَّازُ: الْمُشْعَانُ الْجَافِي الثَّائِرُ الرَّأْسِ.

قَوْلُهُ: (بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً) انْتَصَبَ عَلَى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ.

قَوْلُهُ: (فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَاشْتَرَى مِنْهَا أَيْ مِنَ الْغَنَمِ.

قَوْلُهُ: (بِسَوَادِ الْبَطْنِ) هُوَ الْكَبِدُ أَوْ كُلُّ مَا فِي الْبَطْنِ مِنْ كَبِدٍ وَغَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: (وَأيْمِ اللَّهِ) هُوَ قَسَمٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَالُ بِالْهَمْزِ وَبِالْوَصْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (أَعْطَاهَا إِيَّاهُ) هُوَ مِنَ الْقَلْبِ وَأَصْلُهُ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا اجْتَمَعُوا عَلَى الْقَصْعَتَيْنِ فَيَكُونَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ أُخْرَى لِكَوْنِهِمَا وَسِعَتَا أَيْدِيَ الْقَوْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمْ أَكَلُوا كُلُّهُمْ فِي الْجُمْلَةِ أَعَمَّ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ.

قَوْلُهُ: (فَفَضَلَتِ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهُ) أَيِ الطَّعَامَ وَلَوْ أَرَادَ الْقَصْعَتَيْنِ لَقَالَ: حَمَلْنَاهُمَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَةِ وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالضَّمِيرُ عَلَى هَذَا لِلْقَدْرِ الَّذِي فَضَلَ.

قَوْلُهُ: (أَوْ كَمَا قَالَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبُولُ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ هَلْ يَبِيعُ أَوْ يُهْدِي؟ وَفِيهِ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ حَمَلَ رَدَّ الْهَدِيَّةِ عَلَى الْوَثَنِيِّ دُونَ الْكِتَابِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ كَانَ وَثَنِيًّا وَفِيهِ الْمُوَاسَاةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَظُهُورُ الْبَرَكَةِ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْقَسَمُ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ صَادِقًا، وَمُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ وَآيَةٌ بَاهِرَةٌ مِنْ تَكْثِيرِ الْقَدْرِ الْيَسِيرِ مِنَ الصَّاعِ وَمِنَ اللَّحْمِ حَتَّى وَسِعَ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ، وَفَضَلَ مِنْهُ وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ وَرَدَ تَكْثِيرُ الطَّعَامِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ أَحَادِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَحَلُّ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا عَلَامَاتُ النُّبُوَّةِ وَسَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.