كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب مَنْ أَهْدَى إِلَى صَاحِبِهِ وَتَحَرَّى بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها الأحاديث 2580–2581

أحاديث الباب: 2580، 2581

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَهْدَى إِلَى صَاحِبِهِ وَتَحَرَّى بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ) يُقَالُ تَحَرَّى الشَّيْءَ إِذَا قَصَدَهُ دُونَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمِي، وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِنَّ صَوَاحِبِي اجْتَمَعْنَ، فَذَكَرَتْ لَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهَا) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ فَاجْتَمَعْنَ صَوَاحِبِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ لَهَا: خَبِّرِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا لَهُ حَيْثُ كَانَ، قَالَتْ: فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَالَت: فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَتْ: فَلَمَّا عَادَ إِلَيَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي .. الْحَدِيثَ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاقِبِ عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ .. فَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ مُرْسَلًا. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِ النِّسَاءِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ الْأَنْصَارُ يُكْثِرُونَ إِلْطَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَذَلِكَ لِقُرْبِ جِوَارِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ (حَدَّثَنِي أَخِي) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ. وَقَدْ تَابَعَ الْبُخَارِيَّ، حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، فَرَوَيَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ كَمَا قَالَ، وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، فَرَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَذَفَ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ إِسْمَاعِيلَ، وَسُلَيْمَانَ، وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) زَادَ فِيهِ عَلَى رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي آخِرِهِ: فَقَالَتْ - أَيْ أُمُّ سَلَمَةَ - أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا إِرْسَالَهُنَّ فَاطِمَةَ، ثُمَّ إِرْسَالَهُنَّ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَقَدْ تَصَرَّفَ الرُّوَاةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: الْكَلَامُ الْأَخِيرُ قِصَّةُ فَاطِمَةَ - أَيْ إِرْسَالُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ - يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي: أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، فَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَرَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الْأَخِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَالْحِزْبُ الْآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ بَقِيَّتُهُنَّ، وَهِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةُ وَأُمُّ حَبِيبَةُ الْأُمَوِيَّةُ وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيَّةُ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ

الْهِلَالِيَّةُ دُونَ زَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ أُمِّ الْمَسَاكِينِ. رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ رُمَيْثَةَ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ رُمَيْثَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرَةٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَلَّمَنِي صَوَاحِبِي وَهُنَّ - فَذَكَرَتْهُنَّ - وَكُنَّا فِي الْجَانِبِ الثَّانِي وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَصَوَاحِبُهَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَقُلْنَ: كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ النَّاسَ يُهْدُونَ إِلَيْهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَنَحْنُ نُحِبُّ مَا تُحِبُّ .. الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ، وَأَسْكَنَ أُمَّ سَلَمَةَ بَيْتَهَا لَمَّا دَخَلَ بِهَا.

قَوْلُهُ: (فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمِ النَّاسَ) بِالْجَزْمِ وَالْمِيمُ مَكْسُورَةٌ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنِينَ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيُهْدِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَلْيُهْدِ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ) يَأْتِي شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ عَائِشَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ دَعَيْنَ وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ الَّتِي خَاطَبَتْهَا بِذَلِكَ مِنْهُنَّ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهَا: أَرْسَلَتْكِ زَيْنَبُ؟ قَالَتْ: زَيْنَبُ وَغَيْرُهَا، قَالَ: أَهِيَ الَّتِي وَلِيَتْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ يَطْلُبْنَ مِنْكَ الْعَدْلَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: يُنَاشِدْنَكَ اللَّهَ الْعَدْلَ، أَيْ يَسْأَلْنَكَ بِاللَّهِ الْعَدْلَ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَغَيْرِهَا، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَبُو قُحَافَةَ هُوَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ قَالَتْ: بَلَى) زَادَ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: قَالَ: فَأَحِبِّي هَذِهِ، فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ) زَادَ مُسْلِمٌ: فَقُلْنَ لَهَا: مَا نَرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا.

قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ) زَادَ مُسْلِمٌ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ ثَنَاءُ عَائِشَةَ عَلَيْهَا بِالصَّدَقَةِ، وَذِكْرُهَا لَهَا بِالْحِدَّةِ الَّتِي تُسْرِعُ مِنْهَا الرَّجْعَةَ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَتْهُ) فِي مُرْسَلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: فَذَهَبَتْ زَيْنَبُ حَتَّى اسْتَأْذَنَتْ، فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهَا. فَقَالَتْ: حَسْبُكَ إِذَا بَرَقَتْ لَكَ بِنْتُ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ذِرَاعَيْهَا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا عَلَى الْحَالِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ وَهُوَ بِهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَغْلَظَتْ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي فَاسْتَطَالَتْ. وَفِي مُرْسَلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: فَوَقَعَتْ بِعَائِشَةَ وَنَالَتْ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (فَسَبَّتْهَا حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَلْ تَكَلَّمُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَرْقُبُ طَرَفَهُ هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا. قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ وَفِي هَذَا جَوَازُ الْعَمَلِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَرَائِنِ، لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَبَتْ، فَقَالَ: سُبِّيهَا، فَسَبَبْتُهَا حَتَّى جَفَّ رِيقُهَا فِي فَمِهَا. وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي بَابِ انْتِصَارِ الظَّالِمِ مِنْ كِتَابِ الْمَظَالِمِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّعَدُّدِ.

قَوْلُهُ: (فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً. وَلِابْنِ سَعْدٍ: فَلَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَفْحَمْتُهَا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: إِنَّهَا شَرِيفَةٌ عَاقِلَةٌ عَارِفَةٌ كَأَبِيهَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَةِ فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ يَتَهَلَّلُ وَكَأَنَّهُ ﷺ أَشَارَ إِلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ عَالِمًا بِمَنَاقِبِ مُضَرَ وَمَثَالِبِهَا فَلَا يُسْتَغْرَبُ مِنْ بِنْتِهِ تَلَقِّي ذَلِكَ عَنْهُ وَمَنْ يُشَابَهُ أَبَهُ فَمَا ظَلَمَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَائِشَةَ، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْءِ فِي إِيثَارِ بَعْضِ نِسَائِهِ بِالتُّحَفِ، وَإِنَّمَا اللَّازِمُ الْعَدْلُ فِي الْمَبِيتِ وَالنَّفَقَةِ وَنَحْوِ

ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ، كَذَا قَرَّرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ الَّذِينَ أَهْدَوْا لَهُ وَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَمْنَعْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَمَالِ الْأَخْلَاقِ أَنْ يَتَعَرَّضَ الرَّجُلُ إِلَى النَّاسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ الْهَدِيَّةِ، وَأَيْضًا فَالَّذِي يُهْدِي لِأَجْلِ عَائِشَةَ كَأَنَّهُ مَلَّكَ الْهَدِيَّةَ بِشَرْطٍ، وَالتَّمْلِيكُ يُتَّبَعُ فِيهِ تَحْجِيرُ الْمَالِكِ، مَعَ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُشْرِكُهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْمُنَافَسَةُ لِكَوْنِ الْعَطِيَّةِ تَصِلُ إِلَيْهِنَّ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ.

وَفِيهِ قَصْدُ النَّاسِ بِالْهَدَايَا أَوْقَاتَ الْمَسَرَّةِ وَمَوَاضِعَهَا لِيَزِيدَ ذَلِكَ فِي سُرُورِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ. وَفِيهِ تَنَافُسُ الضَّرَائِرِ وَتَغَايُرُهُنَّ عَلَى الرَّجُلِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يَسَعُهُ السُّكُوتُ إِذَا تَقَاوَلْنَ، وَلَا يَمِيلُ مَعَ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّشَكِّي وَالتَّوَسُّلِ فِي ذَلِكَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَهَابَتِهِ وَالْحَيَاءِ مِنْهُ حَتَّى رَاسَلْنَهُ بِأَعَزِّ النَّاسِ عِنْدَهُ فَاطِمَةَ. وَفِيهِ سُرْعَةُ فَهْمِهِنَّ وَرُجُوعُهُنَّ إِلَى الْحَقِّ وَالْوُقُوفُ عِنْدَهُ. وَفِيهِ إِدْلَالُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهَا كَانَتْ بِنْتَ عَمَّتِهِ، كَانَتْ أُمُّهَا أُمَيْمَةَ - بِالتَّصْغِيرِ - بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: وَفِيهِ عُذْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْنَبَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ.

قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ مُخَاطَبَتِهَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَلَبِ الْعَدْلِ مَعَ عِلْمِهَا بِأَنَّهُ أَعْدَلُ النَّاسِ، لَكِنْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْغَيْرَةُ فَلَمْ يُؤَاخِذْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِطْلَاقِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّ زَيْنَبَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ كَانَتْ حَامِلَةَ رِسَالَةٍ خَاصَّةٍ، بِخِلَافِ زَيْنَبَ فَإِنَّهَا شَرِيكَتُهُنَّ فِي ذَلِكَ بَلْ رَأْسُهُنَّ، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَوَلَّتْ إِرْسَالَ فَاطِمَةَ أَوَّلًا ثُمَّ سَارَتْ بِنَفْسِهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ الْغَسَّانِيُّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ثَقِيلَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ فِيهِ تَغْيِيرٌ، فَغَيَّرَهُ الْعُثْمَانِيُّ حَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ خَطَأٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِأَبِي مَرْوَانَ هَذَا رِوَايَةٌ مَوْصُولَةٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَوَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ فِيهِ تَصْحِيفٌ غَيْرُ هَذَا. وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ .. إِلَخْ يَعْنِي أَنَّ أَبَا مَرْوَانَ فَصَلَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ، فَجَعَلَ الْأَوَّلَ - وَهُوَ التَّحَرِّي - كَمَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَجَعَلَ الثَّانِيَ - وَهُوَ قِصَّةُ فَاطِمَةَ - عَنْ هِشَامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَجُلٍ مِنَ الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ.

قُلْتُ: وَطَرِيقُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ - مَشْهُورَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، زَادَ مُسْلِمٌ وَيُونُسُ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ، وَهَكَذَا قَالَ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَخَالَفَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَقَالَ: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَخَالَفَهُمْ إِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ، فَجَعَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَدَلَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَالَ الذُّهْلِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْمَحْفُوظُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبُو مَرْوَانَ هَذَا هُوَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْغَسَّانِيُّ، وَهُوَ شَامِيٌّ نَزَلَ وَاسِطَ، وَاسْمُ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى أَيْضًا، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُكَنَّى أَبَا مَرْوَانَ لَكِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى هِشَامٍ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ، فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْهُ: عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أُخْتِهِ رُمَيْثَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لَهَا: إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ .. الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِهِشَامٍ فِيهِ طَرِيقَانِ، فَإِنَّ عَبْدَةَ بْنَ سُلَيْمَانَ رَوَاهُ عَنْهُ بِالْوَجْهَيْنِ، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِهِ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ كَمَا مَضَى فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مُتَابِعًا لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.