بَاب مَنْ مَلَكَ مِنْ الْعَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّر…
ترجمة الباب: بَاب مَنْ مَلَكَ مِنْ الْعَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ
أحاديث الباب: 2540، 2541، 2542، 2543
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾
٢٥٣٩،، وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: فَادَيْتُ عَقِيلًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ الْخِلَافِ فِي اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَرَبِيَّ إِذَا سُبِيَ جَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطِهِ كَانَ وَلَدُهَا رَقِيقًا. وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ عَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ تَقْوِيمَ الْوَلَدِ وَيُلْزَمُ أَبُوهُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ وَلَا يُسْتَرَقُّ الْوَلَدُ أَصْلًا، وَقَدْ جَنَحَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْجَوَازِ، وَأَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْهِبَةِ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْفِدَاءِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ سَبْيِ الذُّرِّيَّةِ،
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْجِمَاعِ وَمِنَ الْفِدْيَةِ أَيْضًا، وَيَتَضَمَّنُ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْبَيْعِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنَ الْبَيْعِ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ابْتَاعِي كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَالْعَجَمِيِّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا لِذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرَ قَتَادَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَافِرُ خَاصَّةً. نَعَمْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى كَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يَمْلِكُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا بِشَرْطٍ. وَقَالَ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ: فَإِنَّ الْمَالَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِشَرْطٍ. قَالَ: وَحُجَّتُهُ فِي الْبَيْعِ حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ، وَحُجَّتُهُ فِي الْعِتْقِ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ بِسَيِّدِهِ.
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِتْقُ صُورَةَ إِحْسَانٍ إِلَيْهِ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَنْزِعَ مِنْهُ مَا بِيَدِهِ تَكْمِيلًا لِلْإِحْسَانِ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتِ الْمُكَاتَبَةُ وَسَاغَ لَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ وَيُؤَدِّيَ إِلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ تَسَلُّطًا عَلَى مَا بِيَدِهِ فِي صُورَةِ الْعِتْقِ مَا أَغْنَى ذَلِكَ عَنْهُ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا قِصَّةُ هَوَازِنَ فسَيَأْتِي شَرْحُهَا مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ سَيَأْتِي فِي الشُّرُوطِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ.
وَقَوْلُهُ: اسْتَأْنَيْتُ بِالْمُثَنَّاةِ قَبْلَ الْأَلِفِ الْمَهْمُوزَةِ السَّاكِنَةِ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ أَيِ انْتَظَرْتُ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَفِيءَ (١) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ فَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ أَيْ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ مِنْ خَرَاجٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُرِدِ الْفَيْءَ الِاصْطِلَاحِيَّ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا قِصَّةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَوْلُهُ: أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ بَطْنٌ شَهِيرٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ الْمُصْطَلِقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْمُصْطَلِقَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ جَذِيمَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْغَزَاةِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: وَهُمْ غَارُّونَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ جَمْعُ غَارٍّ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ غَافِلٍ، أَيْ أَخَذَهُمْ عَلَى غِرَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ) بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَ أَبُوهَا سَيِّدَ قَوْمِهِ وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّ نَافِعًا اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ سَاقَهُ هُنَاكَ تَامًّا، وَقَوْلُهُ هُنَا: ابْنِ حَبَّانَ هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ، وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَرَاءٍ وَزَايٍ مُصَغَّرٌ، وَقَوْلُهُ: نَسَمَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيْ: نَفْسٍ.
وأما حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ شَيْخَيْنِ لَهُ، كُلٌّ مِنْهُمَا حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ جَرِيرٍ، لَكِنَّهُ فَرَّقَهُمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا زَادَ فِيهِ عَنْ جَرِيرٍ إِسْنَادًا آخَرَ، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى
لَفْظِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي عَلَى لَفْظِ الْآخَرِ وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ، وَالْحَارِثُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَالْعُكْلِيِّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ الْكَلَابَاذِيُّ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ مِنْ أَقْرَانِ الرَّاوِي عَنْهُ مُغِيرَةَ لَكِنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الْوَفَاةِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ غَيْرَ طَرَفَيْهِ الصَّحَابِيِّ وَشَيْخِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ) أَيِ الْقَبِيلَةَ الْكَبِيرَةَ الْمَشْهُورَةَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ بِضَمِّ الْمِيمِ بِلَا هَاءٍ ابْنِ أُدٍّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ابْنِ طَابِخَةَ بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَمُعْجَمَةٍ ابْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ.
قَوْلُهُ: (مُنْذُ ثَلَاثٍ) أَيْ مِنْ حِينِ سَمِعْتُ الْخِصَالَ الثَّلَاثَ، زَادَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَمَا كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْأَحْيَاءِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُمْ فَأَحْبَبْتُهُمْ اهـ، وَكَانَ ذَلِكَ لِمَا كَانَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَدَاوَةِ.
قَوْلُهُ: (هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ) فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ قِتَالًا فِي الْمَلَاحِمِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْعَامُّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْخَاصِّ، فَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَلَاحِمِ أَكْبَرَهَا وَهُوَ قِتَالُ الدَّجَّالِ، أَوْ ذَكَرَ الدَّجَّالَ لِيَدْخُلَ غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا) إِنَّمَا نَسَبَهُمْ إِلَيْهِ لِاجْتِمَاعِ نَسَبِهِمْ بِنَسَبِهِ ﷺ فِي إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَعَمٍ مِنْ صَدَقَةِ بَنِي سَعْدٍ، فَلَمَّا رَاعَهُ حُسْنُهَا قَالَ: هَذِهِ صَدَقَةُ قَوْمِي اهـ، وَبَنُو سَعْدٍ بَطْنٌ كَبِيرٌ شَهِيرٌ مِنْ تَمِيمٍ، يُنْسَبُونَ إِلَى سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، مِنْ أَشْهَرِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ سِنَانِ بْنِ خَالِدٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ) أَيْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَالْمُرَادُ بَطْنٌ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ جَرِيرٍ: وَكَانَتْ عَلَى عَائِشَةَ نَسَمَةٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَقَدِمَ سَبْيُ خَوْلَانَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا. فَلَمَّا قَدِمَ سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ قَالَ: ابْتَاعِي فَإِنَّهُمْ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا: وَجِيءَ بِسَبْيِ بَنِي الْعَنْبَرِ اهـ، وَبَنُو الْعَنْبَرِ بَطْنٌ شَهِيرٌ أَيْضًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُنْسَبُونَ إِلَى الْعَنْبَرِ - وَهُوَ بِلَفْظِ الطِّيبِ الْمَعْرُوفِ - ابْنُ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّحِيحَيْنِ سَبِيَّةٌ بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ مَفْتُوحَ الْأَوَّلِ مِنَ السَّبْيِ أَوْ مِنَ السَّبَا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، لَكِنْ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ جَرِيرٍ نَسَمَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيْ نَفْسٌ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْمَرٍ الْمَذْكُورَةِ وَكَانَتْ عَلَى عَائِشَةَ نَسَمَةٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ مُحَرَّرٌ وَبَيَّنَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورَةِ الْمُرَادَ بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ كَانَ نَذْرًا وَلَفْظُهُ نَذَرَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُعْتِقَ مُحَرَّرًا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ دُرَيْحٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ مُصَغَّرًا ابْنُ ذُؤَيْبِ بْنِ شُعْثُمٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ الْعَنْبَرِيُّ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ عَتِيقًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: اصْبِرِي حَتَّى يَجِيءَ فَيْءُ بَنِي الْعَنْبَرِ غَدًا، فَجَاءَ فَيْءُ بَنِي الْعَنْبَرِ فَقَالَ لَهَا: خُذِي مِنْهُمْ أَرْبَعَةً، فَأَخَذَتْ رُدَيْحًا، وَزُبَيْبًا، وَزُخَيًّا، وَسَمُرَةَ اهـ.
فَأَمَّا رُدَيْحٌ فَهُوَ الْمَذْكُورُ، وَأَمَّا زُبَيْبٌ فَهُوَ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا - وَضَبَطَهُ الْعَسْكَرِيُّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ - وَهُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَزُخَيٌّ بِالزَّايِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا، وَضَبَطَهُ ابْنُ عَوْنٍ بِالرَّاءِ أَوَّلَهُ، وَسَمُرَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ قُرْطٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: فَمَسَحَ النَّبِيُّ رُءُوسَهُمْ وَبَرَّكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ هَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَصْدًا اهـ.
وَالَّذِي تَعَيَّنَ لِعِتْقِ عَائِشَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ إِمَّا
رُدَيْحٌ وَإِمَّا زُخَيٌّ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَفِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ فَأَخَذُوهُمْ بِرُكْبَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ فَاسْتَاقُوهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرُكْبَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ وَهِيَ غَيْرُ رَكُوبَةِ الثَّنِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَرِيَّةَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ هَذِهِ كَانَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ سَبَى إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ فِي حِصَّةِ تَمَلُّكِ الْعَرَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِتْقَ مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: مِنَ الْعَارِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَبِنْتَ عَمِّهِ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَفْصِيلٍ، فَلَوْ كَانَ الْعَرَبِيُّ مَثَلًا مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ ﵍ وَتَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطِهِ لَاسْتَبْعَدْنَا اسْتِرْقَاقَ وَلَدِهِ، قَالَ: وَإِذَا أَفَادَ كَوْنُ الْمَسْبِيِّ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ إِعْتَاقِهِ، فَالَّذِي بِالْمَثَابَةِ الَّتِي فَرَضْنَاهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ حُرِّيَّتِهِ حَتْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالرُّؤَسَاءِ. وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحْوَالِ الْكَائِنَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَ جَمِيعَ الْيَمَنِ إِلَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ لِتَفْرِقَتِهِ ﷺ بَيْنَ خَوْلَانَ وَهُمْ مِنَ الْيَمَنِ وَبَيْنَ بَنِي الْعَنْبَرِ وَهُمْ مِنْ مُضَرَ، وَالْمَشْهُورُ فِي خَوْلَانَ أَنَّهُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ وَلَدِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ:، خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.