كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب الِاشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الشركة الأحاديث 2496–2498

أحاديث الباب: 2496، 2498

قَوْلُهُ: (بَابُ الِاشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ الصَّحِيحَةَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِثْلَ مَا أَخْرَجَ صَاحِبُهُ، ثُمَّ يَخْلِطَا ذَلِكَ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ، ثُمَّ يَتَصَرَّفَا جَمِيعًا، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ مَقَامَ نَفْسِهِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ جَائِزَةٌ. لَكِنِ اخْتَلَفُوا إِذَا كَانَتِ الدَّنَانِيرُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالدَّرَاهِمُ مِنَ الْآخَرِ؛ فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالْكُوفِيُّونَ إِلَّا الثَّوْرِيَّ اهـ، وَزَادَ الشَّافِعِيُّ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ الصِّفَةُ أَيْضًا كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ، وَإِطْلَاقُ الْبُخَارِيِّ التَّرْجَمَةَ يُشْعِرُ بِجُنُوحِهِ إِلَى قَوْلِ الثَّوْرِيِّ. وَقَوْلُهُ: وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفِ؛ أَيْ كَالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ وَالتِّبْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ الْأَكْثَرُ: يَصِحُّ فِي كُلِّ مِثْلِيٍّ،

وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي الصَّرْفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ وَفِي بَابِ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً، وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) هُوَ النَّبِيلُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَى هُنَا وَفِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: (اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ بِلَفْظِ: كُنْتُ أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ.

قَوْلُهُ: (مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرُدُّوهُ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: فَذَرُوهُ بِتَقْدِيمِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ؛ أَيِ اتْرُكُوهُ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: رُدُّوهُ بِدُونِ الْفَاءِ، وَحَذْفُهَا فِي مِثْلِ هَذَا وَإِثْبَاتُهَا جَائِزٌ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ للصَّفْقَةِ فَيَصِحُّ الصَّحِيحُ مِنْهَا وَيَبْطُلُ مَا لَا يَصِحُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي دَرَاهِمَ فِي السُّوقِ نَسِيئَةً إِلَى الْمَوْسِمِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ هَذَا الْبَيْعَ، فَقَالَ: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَلَا يَصْلُحُ. فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى

قَوْلِهِ: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ؛ أَيْ مَا وَقَعَ لَكُمْ فِيهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ فَهُوَ صَحِيحٌ فَأَمْضُوهُ، وَمَا لَمْ يَقَعْ لَكُمْ فِيهِ التَّقَابُضُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَاتْرُكُوهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.