كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الاعتكاف حديث 2181

أحاديث الباب: 2181

قَوْلُهُ: (بَابُ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً) الْبَيْعُ كُلُّهُ إِمَّا بِالنَّقْدِ أَوْ بِالْعَرَضِ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: فَبَيْعُ النَّقْدِ إِمَّا بِمِثْلِهِ وَهُوَ الْمُرَاطَلَةُ، أَوْ بِنَقْدٍ غَيْرِهِ وَهُوَ الصَّرْفُ. وَبَيْعُ الْعَرَضِ بِنَقْدٍ يُسَمَّى النَّقْدُ ثَمَنًا وَالْعَرَضُ عِوَضًا، وَبَيْعُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ يُسَمَّى مُقَابَضَة. وَالْحُلُولُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَمَّا التَّأْجِيلُ فَإِنْ كَانَ النَّقْدُ بِالنَّقْدِ مُؤَخَّرًا فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْعَرَضُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الْعَرَضُ مُؤَخَّرًا فَهُوَ السَّلَمُ، وَإِنْ كَانَا مُؤَخَّرَيْنِ فَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلَيْسَ بِجَائِزٍ إِلَّا فِي الْحَوَالَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا بَيْعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الصَّرْفِ) أَيْ بَيْعُ الدَّرَاهِمِ

بِالذَّهَبِ أَوْ عَكْسُهُ، وَسُمِّيَ بِهِ لِصَرْفِهِ عَنْ مُقْتَضَى الْبِيَاعَاتِ مِنْ جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِيهِ، وَقِيلَ: مِنَ الصَّرِيفِ وَهُوَ تَصْوِيتُهُمَا فِي الْمِيزَانِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي دَرَاهِمَ - أَيْ: بِذَهَبٍ - فِي السُّوقِ نَسِيئَةً، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيَصْلُحُ هَذَا؟ فَقَالَ: لَقَدْ بِعْتُهَا فِي السُّوقِ فَمَا عَابَهُ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَسَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (هَذَا خَيْرٌ مِنِّي) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةِ قَالَ: فَالْقَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَنَا تِجَارَةً، فَسَأَلْتُهُ فَذَكَرَهُ. وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ: صَدَقَ الْبَرَاءُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التِّجَارَةِ فِي الْبُرِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ بِلَفْظِ: إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسِيئًا فَلَا يَصْلُحُ وَفِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنَ التَّوَاضُعِ، وَإِنْصَافِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمَعْرِفَةِ أَحَدِهِمْ حَقَّ الْآخَرِ، وَاسْتِظْهَارُ الْعَالِمِ فِي الْفُتْيَا بِنَظِيرِهِ فِي الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الشَّرِكَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.