كتب الحديث
النبوي الشريف

باب إِذَا لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ؟

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الاعتكاف حديث 2109

أحاديث الباب: 2109

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا لَمْ يُوَقِّتِ الْخِيَارَ) أَيْ: إِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي وَقْتًا لِلْخِيَارِ وَأَطْلَقَاهُ (هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ) وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْخِلَافِ الْمَاضِي فِي حَدِّ خِيَارِ الشَّرْطِ، وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا أَمَدَ لِمُدَّةِ خِيَارِ الشَّرْطِ بَلِ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ لَازِمٌ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي يَشْتَرِطَانِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، فَإِنْ شَرَطَا أَوْ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ مُطْلَقًا فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: هُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْي: يَبْطُلُ الْبَيْعُ أَيْضًا، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ لِلَّذِي شَرَطَ الْخِيَارَ أَبَدًا.

(تَنْبِيهٌ):

قَوْلُهُ: أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي يَقُولُ، وَفِي إِثْبَاتِهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلَى

قَوْلِهِ: مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَلَعَلَّ الضَّمَّةَ أُشْبِعَتْ كَمَا أُشْبِعَتِ الْيَاءُ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ فَيُقْرَأَ حِينَئِذٍ بِنَصْبِ اللَّامِ، وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ وَفِيهِ: أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخَهُ فَاخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ مَثَلًا أَنَّ الْبَيْعَ يَتِمُّ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَآخَرُونَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَتِمُّ الْبَيْعُ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ أَيْ: أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ مُطْلَقًا فَلَا يَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ مُسْتَوْفًى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.