كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب شِرَاءِ الْإِبِلِ الْهِيمِ أَوْ الْأَجْرَبِ. الْهَائِمُ: الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي…

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الاعتكاف حديث 2099

ترجمة الباب: بَاب شِرَاءِ الْإِبِلِ الْهِيمِ أَوْ الْأَجْرَبِ. الْهَائِمُ: الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ

أحاديث الباب: 2099

قَوْلُهُ: (بَابُ شِرَاءِ الْإِبِلِ الْهِيمِ) بِكَسْرِ الْهَاءِ جَمْعُ أَهْيَمَ لِلْمُذَكَّرِ وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى: هَيْمَى.

قَوْلُهُ: (أَوِ الْأَجْرَبِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: وَالْأَجْرَبِ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجَمْعِ فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ هُنَا هُوَ الْإِبِلُ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ صَالِحٌ لِلْجَمْعِ وَالْمُفْرَدِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: شِرَاءُ الْإِبِلِ الْهِيمِ وَشِرَاءُ الْإِبِلِ الْجُرْبِ.

قَوْلُهُ: (الْهَائِمُ الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَيْسَ الْهَائِمُ وَاحِدَ الْهِيمِ، وَمَا أَدْرِي لِمَ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الْهَائِمَ هُنَا اهـ. وَقَدْ أَثْبَتَ غَيْرُهُ مَا نَفَاهُ، قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: الْهِيمُ جَمْعُ أَهْيَمَ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ هَائِمٌ ثُمَّ يَجْمَعُونَهُ عَلَى هِيمٍ كَمَا قَالُوا: غَائِطٌ وَغِيطٌ، قَالَ: وَالْإِبِلُ الْهِيمُ الَّتِي أَصَابَهَا الْهُيَامُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَبِكَسْرِهَا دَاءٌ تَصِيرُ مِنْهُ عَطْشَى تَشْرَبُ فَلَا تُرْوَى. وَقِيلَ: الْإِبِلُ الْهِيمُ الْمَطْلِيَّةُ بِالْقَطِرَانِ مِنَ الْجَرَبِ فَتَصِيرُ عَطْشَى مِنْ حَرَارَةِ الْجَرَبِ، وَقِيلَ: هُوَ دَاءٌ يَنْشَأُ عَنْهُ الْجَرَبُ. ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ

قَوْلِهِ: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ قَالَ: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ هِيَ

الْإِبِلُ يَأْخُذُهَا الْعَطَشُ فَتَشْرَبُ حَتَّى تَهْلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: سَمِعَ سُفْيَانُ، عَمْرًا هُوَ مَقُولُ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو بِهِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ هَهُنَا) أَيْ: بِمَكَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (اسْمُهُ نَوَّاسٌ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْقَابِسِيُّ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِزِيَادَةِ يَاءِ النَّسَبِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ شَرِيكٍ لَهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (إِبِلًا هِيمًا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، هِيَامًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَعْرِفْكَ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْرِيفِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَقِهَا) بِالْمُهْمَلَةِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الِاسْتِيَاقِ، وَالْقَائِلُ ابْنُ عُمَرَ وَالْمَقُولُ لَهُ نَوَّاسٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: قَالَ فَاسْتَقِهَا إِذًا أَيْ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ فَارْتَجِعْهَا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: دَعْهَا) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ عُمَرَ، وَكَأَنَّ نَوَّاسًا أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَاسْتَدْرَكَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: دَعْهَا.

قَوْلُهُ: (رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: رَضِيتُ بِحُكْمِهِ حَيْثُ حَكَمَ أَلَّا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَعَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ التِّينِ يَصِيرُ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَعَلَى الَّذِي اخْتَرْتُهُ جَرَى الْحَمِيدِيُّ فِي جَمْعِهِ، فَأَوْرَدَ هَذِهِ الطَّرِيقَ عَقِبَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا مَرْفُوعًا: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ كَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ الشَّيْءِ الْمَعِيبِ إِذَا بَيَّنَهُ الْبَائِعُ وَرَضِيَ بِهِ الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ بَيَّنَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، لَكِنْ إِذَا أَخَّرَ بَيَانَهُ عَنِ الْعَقْدِ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي. وَفِيهِ اشْتِرَاءُ الْكَبِيرِ حَاجَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَتَوَقِّي ظُلْمِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قِصَّةً قَالَ: وَكَانَ نَوَّاسٌ يُجَالِسُ ابْنَ عُمَرَ وَكَانَ يُضْحِكُهُ، فَقَالَ يَوْمًا: وَدِدْتَ أَنَّ لِي أَبَا قُبَيْسٍ ذَهَبًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَمُوتُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (لَا عَدْوَى) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْرِفُ لِلْعَدْوَى هُنَا مَعْنَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْهُيَامُ دَاءً مِنْ شَأْنِهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ بِهِ إِذَا رَعَى مَعَ الْإِبِلِ حَصَلَ لَهَا مِثْلُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهَا مَعْنًى ظَاهِرٌ، أَيْ: رَضِيتُ بِهَذَا الْبَيْعِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْعَيْبِ وَلَا أُعَدِّي عَلَى الْبَائِعِ حَاكِمًا. وَاخْتَارَ هَذَا التَّأْوِيلَ ابْنُ التِّينِ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَى

قَوْلِهِ: لَا عَدْوَى النَّهْيُ عَنِ الِاعْتِدَاءِ وَالظُّلْمِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْهِجْرِيُّ فِي النَّوَادِرِ: الْهُيَامُ دَاءٌ مِنْ أَدْوَاءِ الْإِبِلِ يَحْدُثُ عَنْ شُرْبِ الْمَاءِ النَّجْلِ إِذَا كَثُرَ طُحْلُبُهُ، وَمِنْ عَلَامَةِ حُدُوثِهِ إِقْبَالُ الْبَعِيرِ عَلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ، وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَى أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَبَدَنُهُ يَنْقُصُ كَالذَّائِبِ، فَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُهُ اسْتِبَانَةَ أَمْرِهِ اسْتَبَانَ لَهُ، فَإِنْ وَجَدَ رِيحَهُ مِثْلَ رِيحِ الْخَمِيرَةِ فَهُوَ أَهْيَمُ، فَمَنْ شَمَّ مِنْ بَوْلِهِ أَوْ بَعْرِهِ أَصَابَهُ الْهُيَامُ اهـ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ عَلَى الْخَطَّابِيِّ وَأَبَدَاهُ احْتِمَالًا، وَبِهِ يَتَّضِحُ صِحَّةُ عِطْفِ الْبُخَارِيِّ الْأَجْرَبَ عَلَى الْهِيمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي دَعْوَى الْعَدْوَى، وَمِمَّا يُقَوِّيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: لَا عَدْوَى تَفْسِيرًا لِلْقَضَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.