كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي الْمِخْضَبِ وَالْقَدَحِ وَالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الوضوء الأحاديث 195–198

أحاديث الباب: 195، 196، 197، 198

قَوْلُهُ: (بَابُ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي الْمِخْضَبِ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، الْمَشْهُورُ أَنَّهُ الْإِنَاءُ الَّذِي يُغْسَلُ فِيهِ الثِّيَابُ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِنَاءِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَالْقَدَحُ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْخَشَبِ مَعَ ضِيقِ فَمِهِ، وَعَطْفُهُ الْخَشَبَ وَالْحِجَارَةَ عَلَى الْمِخْضَبِ وَالْقَدَحِ لَيْسَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فَقَطْ بَلْ بَيْنَ هَذَيْنِ وَهَذَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا يَاءٌ خَفِيفَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، لَكِنْ وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ابْنُ الْمُنِيرِ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، فَقَدْ يَلْتَبِسُ بِابْنِ الْمُنَيَّرِ الَّذِي نَنْقُلُ عَنْهُ فِي هَذَا الشَّرْحِ لَكِنَّهُ بِتَثْقِيلِ الْيَاءِ وَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ هَذَا الرَّاوِي بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ.

قَوْلُهُ: (حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) هِيَ الْعَصْرُ.

قَوْلُهُ: (إِلَى أَهْلِهِ)؛ أَيْ: لِإِرَادَةِ الْوُضُوءِ (وَبَقِيَ قَوْمٌ)؛ أَيْ: عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ حِجَارَةٍ لِبَيَانِ الْجِنْسِ.

قَوْلُهُ: (فَصَغُرَ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: لَمْ يَسَعْ بَسْطَ كَفِّهِ ﷺ فِيهِ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبْسُطَ كَفَّهُ مِنْ صِغَرِ الْمِخْضَبِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ إِنَّ الْمِخْضَبَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ، وَمَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الْتِمَاسِ

الْوَضُوءِ، وَبَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ يَأْتِي فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ أَيْضًا، لَكِنَّهُ قال: عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بَدَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ، فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخَيْنِ، حَدَّثَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِهِ عَنْ حُمَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ بُرَيْدٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ مُصَغَّرًا هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، وَالْقَدْرُ الْمَذْكُورُ مِنَ الْمَتْنِ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ مُعَلَّقًا فِي بَابِ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ الْقَدَحِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهِ.

قَوْلُهُ: (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ أَيْضًا، فَاتَّفَقَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ وَفِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ.

قَوْلُهُ: (أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ أَتَانَا.

قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فَتَوَضَّأَ، وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَاقِي الرِّوَايَاتِ، وَالْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ، وَأَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ هَذَا زَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ التَّوْرَ كَانَ مِنْ صُفْرٍ؛ أَيْ: نُحَاسٍ جَيِّدٍ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا ثَقُلَ)؛ أَيْ: فِي الْمَرَضِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ بِوَزْنِ صَغُرَ. قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ لِشَيْخِنَا: ثَقِلَ كَفَرِحَ فَهُوَ ثَاقِلٌ وَثَقِيلٌ اشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَلَعَلَّ فِي النُّسْخَةِ سَقْطًا (١)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فِي أَنْ يُمَرَّضَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ؛ أَيْ: يُخْدَمَ فِي مَرَضِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَذِنَّ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ أَيَ: الْأَزْوَاجَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لَهُنَّ.

قَوْلُهُ: (قال عُبَيْدُ اللَّهِ) هُوَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِغَيْرِ أَدَاةِ عَطْفٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ) هُوَ مَعْطُوفٌ أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ (هَرِيقُوا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ أَهْرِيقُوا بِزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ، قال ابْنُ التِّينِ: هُوَ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَنُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قال: أَهْرَاقَ يُهْرِيقُ أَهْرِيَاقًا؛ مِثْلَ أسْطَاعَ يُسْطِيعُ اسْطِيَاعًا بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَفَتْحِهَا فِي الْمَاضِي وَضَمِّ الْيَاءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي أَطَاعَ يُطِيعُ فَجُعِلَتِ السِّينُ وَالْهَاءُ عِوَضًا مِنْ ذَهَابِ حَرَكَةِ عَيْنِ الْفِعْلِ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَاسْتَشْكَلَهُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْهَاءَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ هَرَاقَ أَرَاقَ ثُمَّ اجْتُلِبَتِ الْهَمْزَةُ فَتَحْرِيكُ الْهَاءِ عَلَى إِبْقَاءِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ وَلَهُ نَظَائِرُ، وَذَكَرَ لَهُ الْجَوْهَرِيُّ تَوْجِيهًا آخَرَ وَأَنَّ أَصْلَهُ أَأَرِيقُوا فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ هَاءً لِلْخِفَّةِ، وَجَزَمَ ثَعْلَبٌ فِي الْفَصِيحِ بِأَنَّ أَهَرِيقَهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ)، قال الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ السَّبْعَ تَبَرُّكًا بِهَذَا الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ لَهُ دُخُولًا فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِ الشَّرِيعَةِ وَأَصْلِ الْخِلْقَةِ. وَفِي رِوَايَةِ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ آبَارٍ شَتَّى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لِلتَّدَاوِي لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ: لَعَلِّي أَسْتَرِيحُ فَأَعْهَدُ؛ أَيْ: أُوصِي.

قَوْلُهُ: (وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبِ حَفْصَةَ) زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ نُحَاسٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الِاغْتِسَالَ فِيهِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنَّمَا كَرِهَ مِنَ النُّحَاسِ رِيحَهُ.

قَوْلُهُ: (نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ)؛ أَيْ: الْقِرَبِ السَّبْعِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى طَفِقَ) يُقَالُ: طَفِقَ يَفْعَلُ كَذَا، إِذَا شَرَعَ فِي فِعْلٍ وَاسْتَمَرَّ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ) زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ ثُمَّ خَرَجَ، وَهُوَ فِي بَابِ الْوَفَاةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ مَبَاحِثِهِ هُنَاكَ، وَعَلَى مَا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِمَامَةِ فِي بَابِ حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.