كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب هَلْ يَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الصوم حديث 1904

أحاديث الباب: 1904

قَوْلُهُ: (بَابٌ: هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قَبْلَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ فِيهِ: (وَلَا يَصْخَبْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالسِّينِ بَدَلَ الصَّادِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَالصَّخَبُ الْخِصَامُ وَالصِّيَاحُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ تَأْكِيدُهُ حَالَةَ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَغَيْرُ الصَّائِمِ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (لَخُلُوفُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: لَخُلُفُ بِحَذْفِ الْوَاوِ كَأَنَّهَا صِيغَةُ جَمْعٍ، وَيُرْوَى فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: لَخُلْفَةُ عَلَى الْوَحْدَةِ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ.

قَوْلُهُ: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ) زَادَ مُسْلِمٌ: بِفِطْرِهِ، وَقَوْلُهُ: يَفْرَحُهُمَا أَصْلُهُ: يَفْرَحُ بِهِمَا فَحَذَفَ الْجَارَّ وَوَصَلَ الضَّمِيرَ كَقَوْلِهِ: صَامَ رَمَضَانَ أَيْ: فِيهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَاهُ: فَرِحَ بِزَوَالِ جُوعِهِ وَعَطَشِهِ، حَيْثُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ وَهَذَا الْفَرَحُ طَبِيعِيٌّ، وَهُوَ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ، وَقِيلَ: إِنَّ فَرَحَهُ بِفِطْرِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَمَامُ صَوْمِهِ وَخَاتِمَةُ عِبَادَتِهِ وَتَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّهِ وَمَعُونَةٌ عَلَى مُسْتَقْبَلِ صَوْمِهِ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذُكِرَ، فَفَرَحُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ؛ لِاخْتِلَافِ مَقَامَاتِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فَرَحُهُ مُبَاحًا وَهُوَ الطَّبِيعِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَهُوَ مَنْ يَكُونُ سَبَبَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) أَيْ: بِجَزَائِهِ وَثَوَابِهِ. وَقِيلَ: الْفَرَحُ الَّذِي عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ إِمَّا لِسُرُورِهِ بِرَبِّهِ، أَوْ بِثَوَابِ رَبِّهِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ. قُلْتُ: وَالثَّانِي أَظْهَرُ؛ إِذْ لَا يَنْحَصِرُ الْأَوَّلُ فِي الصَّوْمِ، بَلْ يَفْرَحُ حِينَئِذٍ بِقَبُولِ صَوْمِهِ وَتَرَتُّبِ الْجَزَاءِ الْوَافِرِ عَلَيْهِ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.