كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَهْلَهُ أَ…

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الوضوء الأحاديث 187–189

ترجمة الباب: بَاب اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَهْلَهُ أَنْ يَتَوَضَّئُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ

أحاديث الباب: 187، 188، 189

قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ)؛ أَيْ: فِي التَّطَهُّرِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ الْمَاءُ الَّذِي يَبْقَى فِي الظَّرْفِ بَعْدَ الْفَرَاغِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْهُ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَانَ جَرِيرٌ يَسْتَاكُ وَيَغْمِسُ رَأْسَ سِوَاكِهِ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ لِأَهْلِهِ: تَوَضَّئُوا بِفَضْلِهِ، لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِفَضْلِ سِوَاكِهِ الْمَاءُ الَّذِي يُنْتَقَعُ فِيهِ الْعُودُ مِنَ الْأَرَاكِ وَغَيْرِهِ لَيْلَيْنِ، فَقَالُوا: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَاءَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ صَنِيعَهُ ذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ، وَكَذَا مُجَرَّدُ الِاسْتِعْمَالِ لَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ فَلَا يَمْتَنِعُ التَّطَهُّرُ بِهِ.

وَقَدْ صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ: كَأَنْ يَقُولُ لِأَهْلِهِ: تَوَضَّؤُوا مِنْ هَذَا الَّذِي أُدْخِلُ فِيهِ سِوَاكِي. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِ سِوَاكِهِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: كَانَ يُدْخِلُ السِّوَاكَ فِي الْإِنَاءِ وَيَسْتَاكُ، فَإِذَا فَرَغَ تَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ إِيرَادُ الْبُخَارِيِّ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَعْقُودِ لِطَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ السِّوَاكَ مُطَهِّرٌ لِلْفَمِ، فَإِذَا خَالَطَ الْمَاءَ ثُمَّ حَصَلَ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ الْمَاءِ كَانَ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ لِلْمُسْتَعْمَلِ فِي الطَّهَارَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ تَصْغِيرُ عَتَبَةَ بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ، كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ. وَحَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ الْمَذْكُورُ سَتَأْتِي مَبَاحِثُهُ فِي بَابِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ: يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ. كَأَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا الْمَاءَ الَّذِي فَضَلَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا تَنَاوَلُوا مَا سَالَ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ ﷺ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.

١٨٨ - وَقَالَ أَبُو مُوسَى: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قال لَهُمَا: اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيُّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْمَغَازِي، وَأَوَّلُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، قال: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْجِعِرَّانَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَعُرِفَ مِنْهُ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمَيْنِ فِي قَوْلِهِ اشْرَبَا وَهُمَا أَبُو مُوسَى، وَبِلَالٌ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ طَرَفًا مِنْهُ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي الْمِخْضَبِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ.

قَوْلُهُ: (وَمَجَّ فِيهِ)؛ أَيْ: صَبَّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنَ الْمَاءِ فِي الْإِنَاءِ، وَالْغَرَضُ بِذَلِكَ إِيجَادُ الْبَرَكَةِ بِرِيقِهِ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ هَذَا فِي بَابِ مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُرْوَةُ) هُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ (عَنِ الْمِسْوَرِ) هُوَ ابْنُ مَخْرَمَةَ.

قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) هُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ كَمَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ:

هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ مَجْهُولٍ لَكِنَّهَا مُتَابَعَةٌ، وَيُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ. قُلْتُ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَذَرُ بِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ مَعْرُوفٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِ اخْتِصَارًا كَمَا اخْتَصَرَ السَّنَدَ فَعَلَّقَهُ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَالَ عُرْوَةُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ أَخْبَرَنِي مَحْمُودٌ فَيَكُونُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَ مَحْمُودٍ وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدِيثَ عُرْوَةَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ حَدِيثُ عُرْوَةَ مُعَلَّقًا بَلْ يَكُونُ مَوْصُولًا بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَصَنِيعُ أَئِمَّةِ النَّقْلِ يُخَالِفُ مَا زَعَمَهُ، وَاسْتَمَرَّ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى هَذَا التَّجْوِيزِ حَتَّى زَعَمَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي

قَوْلِهِ: يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ لِلْمِسْوَرِ، وَمَحْمُودِ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ هُوَ لِلْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ، وَهُوَ تَجْوِيزٌ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى النَّقْلِ فِي بَابِ النَّقْلِ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (كَانُوا يَقْتَتِلُونَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ كَادُوا بِالدَّالِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّمَا حَكَى ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ لِيُعْلِمَهُمْ شِدَّةَ تَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْقِتَالَ مُبَالَغَةً.

بَاب

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.