بَاب تَقْبِيلِ الْحَجَرِ
قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ أَيِ الْأَسْوَدِ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّقْبِيلِ بِخِلَافِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فَيَسْتَلِمُهُ فَقَطْ وَالِاسْتِلَامُ الْمَسْحُ بِالْيَدِ وَالتَّقْبِيلُ بِالْفَمِ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ طَوِيلًا. الْحَدِيثَ وَاخْتَصَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ الْفَضِيلَتَيْنِ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ.
قَوْلُهُ: (سَأَلَ رَجُلٌ) هُوَ الزُّبَيْرُ الرَّاوِي، كَذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي مَا أَصْنَعُ إِذَا زُحِمْتُ، وَزُحِمْتُ بِضَمِّ الزَّايِ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَفِي بَعْضِ
الرِّوَايَاتِ بِزِيَادَةِ وَاوٍ.
قَوْلُهُ: (اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ) يُشْعِرُ بِأَنَّ الرَّجُلَ يَمَانِيٌّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةِ اجْعَلْ أَرَأَيْتَ عِنْدَ ذَلِكَ الْكَوْكَبِ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ مُعَارَضَةَ الْحَدِيثِ بِالرَّأْيِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ وَيَتَّقِيَ الرَّأْيَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَرَ الزِّحَامَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الِاسْتِلَامِ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنِ حَتَّى يُدْمَى وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هَوَتِ الْأَفْئِدَةُ إِلَيْهِ فَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ فُؤَادِي مَعَهُمْ، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرَاهَةَ الْمُزَاحَمَةِ وَقَالَ: لَا يُؤْذِي وَلَا يُؤْذَى.
(فَائِدَةٌ): الْمُسْتَحَبُّ فِي التَّقْبِيلِ أَنْ لَا يَرْفَعَ بِهِ صَوْتَهُ، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِذَا قَبَّلْتَ الرُّكْنَ فَلَا تَرْفَعْ بِهَا صَوْتَكَ كَقُبْلَةِ النِّسَاءِ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ وَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ، وَهُوَ وَهْمٌ وَصَوَابُهُ عَرَبِيٍّ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ، كَذَلِكَ رَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ. انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَشْعَرَ هَذَا التَّصْحِيفَ فَأَشَارَ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنْهُ فَحَكَى الْفَرَبْرِيُّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَابِ أَبِي جَعْفَرٍ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ الْبُخَارِيِّ - قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ: الزُّبَيْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ هَذَا بَصْرِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ كُوفِيٌّ. انْتَهَى. هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ، وَعَقَّبَ هَذَا الْحَدِيثَ: الزُّبَيْرُ هَذَا هُوَ ابْنُ عَرَبِيٍّ، وَأَمَّا الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَهُوَ كُوفِيٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَرَبِيِّ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَذَلِكَ مِمَّا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.