باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ
أحاديث الباب: 1548
قَوْلُهُ: (بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ) قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْإِهْلَالُ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهُ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُهِلٌّ بِهِ. وَأَمَّا أَهَلَّ الْقَوْمُ الْهِلَالَ فَأَرَى أَنَّهُ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابِ.
قَوْلُهُ: (وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا)؛ أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمُرَادُ أَنَسٍ بِذَلِكَ مَنْ نَوَى مِنْهُمُ الْقِرَانَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ؛ أَيْ بَعْضُهُمْ بِالْحَجِّ وَبَعْضُهُمْ بِالْعُمْرَةِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا. وَسَيَأْتِي إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَسٍ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ - مِنْ طَرِيقِ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى التَّابِعِيِّ فِي صَحَابِيِّهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَلَبَّى حَتَّى أَسْمَعَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى، وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ: لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا.
وَوَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ جُعِلَ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ الْمُلَبِّي إِنَّمَا يَقْصِدُ إِلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَجْهُ الْخُصُوصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ مِنًى.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.