كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب التهجد الأحاديث 1161–1163

أحاديث الباب: 1161، 1163

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَضْطَجِعَ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ الْوَارِدَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ الرَّاحَةُ وَالنَّشَاطُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إِلَّا لِلمتَّهَجُّدِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَضْطَجِعَ لِسُنَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ

لَيْلَتَهُ فَيَسْتَرِيحُ. فِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ.

وَقِيلَ: إِنَّ فَائِدَتَهَا الْفَصْلُ بَيْنَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا اخْتِصَاصَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: تَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِكُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَصْلُ مِنْ مَشْيٍ وَكَلَامٍ وَغَيْرِهِ، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الْفَصْلَ بِالْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يَكْفِي، وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: يَجِبُ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَجَعَلَهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَدَّهُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ حَتَّى طَعَنَ ابْنُ تَيْمِيَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ لِتَفَرُّدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ بِهِ، وَفِي حِفْظِهِ مَقَالٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفَصْلُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَيْمَنِ، وَمَنْ أَطْلَقَ قَالَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْقَادِرِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهَلْ يَسْقُطُ الطَّلَبُ أَوْ يُومِئُ بِالِاضْطِجَاعِ أَوْ يَضْطَجِعُ عَلَى الْأَيْسَرِ؟ لَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَالَ: يُومِئُ وَلَا يَضْطَجِعُ عَلَى الْأَيْسَرِ أَصْلًا، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ بِهِ عَلَى النَّدْبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى اسْتِحْبَابِهَا فِي الْبَيْتِ دُونَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوَّاهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْصِبُ مَنْ يَفْعَلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) وَسَنَذْكُرُ مُسْتَنَدَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ إِذَا لَمْ يُحَدِّثْهَا، وَإِذَا حَدَّثَهَا لَمْ يَضْطَجِعْ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا تَرْجَمَ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. وَيُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ اضْطَجَعَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً نَامَ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثَهَا، وإِمَّا أَنْ يَنَامَ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا نَامَ: أَيِ اضْطَجَعَ، وَبَيَّنَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ قَبْلَ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُؤَذَّنَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الثَّقِيلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى نُودِيَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ الضِّجْعَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ رُبَّمَا تَرَكَهَا عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ، بَلْ تَرْكُهُ لَهَا أَحْيَانًا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ.

(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اضْطِجَاعَهُ ﷺ وَقَعَ بَعْدَ الْوِتْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَوْمُهُ ﷺ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ يَضْطَجِعْ بَيْنَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ اضْطَجَعَ بَعْدَ الْوِتْرِ، فَقَدْ خَالَفَهُ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، فَذَكَرُوا الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، وَلَمْ يُصِبْ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى تَرْكِ اسْتِحْبَابِ الِاضْطِجَاعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٥ (١) - بَاب الْحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِحَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعَاهُدِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَمَنْ سَمَّاهُمَا) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: وَمَنْ سَمَّاهَا؛ أَيْ: سُنَّةُ الْفَجْرِ.

قَوْلُهُ: (تَطَوُّعًا) أُورِدَ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ النَّوَافِلِ، وَأَشَارَ بِلَفْظِ التَّطَوُّعِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبَةٌ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، أَوْ هِيَ مِنَ التَّطَوُّعِ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا تَسْمِيَتُهَا تَطَوُّعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ تَطَوُّعِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَيَانُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (أَشَدَّ تَعَاهُدًا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: أَشَدُّ مُعَاهَدَةً، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَفْصٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: مَا رَأَيْتُهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ أَسْرَعَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ. زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَلَا إِلَى غَنِيمَةٍ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.