بَاب فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى
أحاديث الباب: 1154، 1155، 1156، 1158
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى) تعَارَّ بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ. قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: تَعَارَّ الظَّلِيمُ مُعَارَّةً: صَاحَ، وَالتَّعَارُّ أَيْضًا: السَّهَرُ وَالتَّمَطِّي، وَالتَّقَلُّبُ عَلَى الْفِرَاشِ لَيْلًا مَعَ كَلَامٍ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: اخْتُلِفَ فِي: تَعَارَّ، فَقِيلَ: انْتَبَهَ، وَقِيلَ: تَكَلَّمَ، وَقِيلَ: عَلِمَ، وَقِيلَ: تَمَطَّى وَأَنَّ. انْتَهَى. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: التَّعَارُّ الْيَقَظَةُ مَعَ صَوْتٍ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَى تَعَارَّ اسْتَيْقَظَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَعَارَّ، فَقَالَ، فَعَطَفَ الْقَوْلَ عَلَى التَّعَارِّ. انْتَهَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ تَفْسِيرِيَّةً لِمَا صَوَّتَ بِهِ الْمُسْتَيْقِظُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصَوِّتُ بِغَيْرِ ذِكْرٍ، فَخَصَّ الْفَضْلَ الْمَذْكُورَ بِمَنْ صَوَّتَ بِمَا ذُكِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي اخْتِيَارِ لَفْظِ تَعَارَّ دُونَ اسْتَيْقَظَ أَوِ انْتَبَهَ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ ذَلِكَ لِمَنْ تَعَوَّدَ الذِّكْرَ وَاسْتَأْنَسَ بِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ حَدِيثَ نَفْسِهِ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ، فَأَكْرَمَ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَقَبُولِ صَلَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ، وَجَمِيعُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُ شَامِيُّونَ، وَجُنَادَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ) كَذَا لِمُعْظَمِ الرُّوَاةِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ مِنْ رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِيهِ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيِّ - وَهُوَ الْحَافِظُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: دُحَيْمٌ - عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْوَلِيدِ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ، وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا وَهْمًا، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجَادَّةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَجَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي الذِّكْرِ عَنْ دُحَيْمٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ دُحَيْمٍ، وَرِوَايَةُ صَفْوَانَ شَاذَّةٌ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهَا عَنِ الْوَلِيدِ احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْوَلِيدِ فِيهِ شَيْخَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِنَ اخْتِلَافِ اللَّفْظِ حَيْثُ جَاءَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. . إِلَخْ وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: كَانَ مِنْ خَطَايَاهُ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَلَا دُعَاءً، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ. بَدَلَ
قَوْلِهِ: مَنْ تَعَارَّ، لَكِنَّ تَخَالُفَ اللَّفْظِ فِي هَذِهِ أَخَفُّ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) زَادَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ: يُحْيِي وَيُمِيتُ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي الْبُخَارِيِّ عَلَى تَقْدِيمِ الْحَمْدِ عَلَى التَّسْبِيحِ، لَكِنْ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالْعَكْسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّرْتِيبَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) زَادَ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ السُّنِّيِّ: الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا) كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، غُفِرَ لَهُ، أَوْ قَالَ: فَدَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، شَكَّ الْوَلِيدُ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: غُفِرَ لَهُ، قَالَ الْوَلِيدُ: أَوْ قَالَ: دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ: ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، أَوْ قَالَ: ثُمَّ دَعَا، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (اسْتُجِيبَ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ لَهُ وَكَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ) أَيْ إِنْ صَلَّى. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ: فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: فَإِنْ هُوَ عَزَمَ فَقَامَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَعَدَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ لَهِجًا لِسَانُهُ بِتَوْحِيدِ رَبِّهِ، وَالْإِذْعَانِ لَهُ بِالْمُلْكِ، وَالِاعْتِرَافِ بِنِعَمَهِ، يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا وَيُنَزِّهُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، بتَسْبِيحِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّسْلِيمِ لَهُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقُدْرَةِ إِلَّا بِعَوْنِهِ، أَنَّهُ إِذَا دَعَاهُ أَجَابَهُ، وَإِذَا صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيثُ أَنْ يَغْتَنِمَ الْعَمَلَ بِهِ، وَيُخْلِصَ نِيَّتَهُ لِرَبِّهِ ﷾.
قَوْلُهُ: (قُبِلَتْ صَلَاتُهُ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: وَجْهُ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ بِفَضْلِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَبُولُ، وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ الصِّحَّةِ، سَوَاءً كَانَتْ فَاضِلَةً أَمْ مَفْضُولَةً؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ أَرْجَى مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ، فَلِأَجْلِ قُرْبِ الرَّجَاءِ فِيهِ مِنَ الْيَقِينِ تَمَيَّزَ عَلَى غَيْرِهِ وَثَبَتَ لَهُ الْفَضْلُ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَبُولِ هُنَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ مَا مُحَصِّلُهُ: مَنْ قَبِلَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً لَمْ يُعَذِّبْهُ (١)؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ، فَلَا يَقْبَلُ شَيْئًا ثُمَّ يُحْبِطُهُ، وَإِذَا أُمِنَ الْإِحْبَاطُ أُمِنَ التَّعْذِيبُ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَبِلَ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً.
(فَائِدَةٌ): قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَبْرِيُّ الرَّاوِي عَنِ الْبُخَارِيِّ: أَجْرَيْتُ هَذَا الذِّكْرَ عَلَى لِسَانِي عِنْدَ انْتِبَاهِي، ثُمَّ نِمْتُ فَأَتَانِي آتٍ، فَقَرَأَ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (الْهَيْثَمُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَسِنَانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ) أَيْ: مَوَاعِظَهُ الَّتِي كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُذَكِّرُ أَصْحَابَهُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَخًا لَكُمْ) مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَطْرَدَ إِلَى حِكَايَةِ مَا قِيلَ فِي وَصْفِهِ، فَذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِمَا وُصِفَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَخًا لَكُمْ) هُوَ الْمَسْمُوعُ لِلْهَيْثَمِ، وَالرَّفَثُ: الْبَاطِلُ، أَوِ الْفُحْشُ مِنَ الْقَوْلِ، وَالْقَائِلُ؛ يَعْنِي: هُوَ الْهَيْثَمُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيَّ.
قَوْلُهُ: (إِذَا انْشَقَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ: كَمَا انْشَقَّ، وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ وَكِلَاهُمَا وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (مِنَ الْفَجْرِ) بَيَانٌ لِلْمَعْرُوفِ السَّاطِعِ، يُقَالُ: سطع إِذَا ارْتَفَعَ.
قَوْلُهُ: (الْعَمَى) أَيِ: الضَّلَالَةُ.
قَوْلُهُ: (يُجَافِي جَنْبَهُ) أَيْ: يَرْفَعَهُ عَنِ الْفِرَاشِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ، وَفِي هَذَا الْبَيْتِ الْأَخِيرِ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ التَّعَارَّ هُوَ السَّهَرُ وَالتَّقَلُّبُ عَلَى الْفِرَاشِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّ الشَّاعِرَ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الْآيَةَ.
(فَائِدَةٌ): وَقَعَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ قِصَّةٌ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ، فَقَامَ إِلَى جَارِيَتِهِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي رُؤْيَتِهَا إِيَّاهُ عَلَى الْجَارِيَةِ، وَجَحْدَهُ ذَلِكَ، وَالْتِمَاسَهَا مِنْهُ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ
لَا يَقْرَأُ، فَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ، فَقَالَتْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ بَصَرِي، فَأُعْلِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: إِنَّ قَوْلَهُ ﷺ: إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ فِيهِ أَنَّ حُسْنَ الشِّعْرِ مَحْمُودٌ كَحُسْنِ الْكَلَامِ. انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يُفْصِحُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبَيَانُ ذَلِكَ سَيَأْتِي فِي سِيَاقِ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ الْمُعَلَّقَةِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشِّعْرِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُقَيْلٌ) أَيْ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فَالضَّمِيرُ لِيُونُسَ، وَرِوَايَةُ عُقَيْلٍ هَذِهِ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَلَامَةَ بْنِ رَوْحٍ عَنْ عَمِّهِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فَذَكَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ. . إِلَخْ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، فَاتَّفَقَ يُونُسُ، وَعُقَيْلٌ عَلَى أَنَّ شَيْخَهُ فِيهِ الْهَيْثَمُ، وَخَالَفَهُمَا الزُّبَيْدِيُّ فَأَبْدَلَهُ بِسَعِيدٍ؛ أَيِ: ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْأَعْرَجِ؛ أَيْ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، وَلَا يَبْعُدَ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقَانِ صَحِيحَيْنِ، فَإِنَّهُمْ حُفَّاظٌ أَثْبَاتٌ، وَالزُّهْرِيُّ صَاحِبُ حَدِيثٍ مُكْثِرٌ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ يُونُسَ لِمُتَابَعَةِ عُقَيْلٍ لَهُ، بِخِلَافِ الزُّبَيْدِيِّ، وَرِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ هَذِهِ الْمُعَلَّقَةُ وَصَلَهَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ الْحِمَّصِيِّ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: إِنَّ أَخًا لَكُمْ كَانَ يَقُولُ شِعْرًا لَيْسَ بِالرَّفَثِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَذَكَرَ الْأَبْيَاتِ، وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) هُوَ السُّدُوسِيُّ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ) سَيَأْتِي فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ: إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ. وَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ دُونَ الْقِصَّةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) هُوَ كَلَامُ نَافِعٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ عَنْ سَالِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ، وَقَوْلُهُ: (أَنَّهَا) أَيْ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ.
(تَنْبِيهٌ): أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هَذَا الْحَدِيثَ الْمُتَعَلِّقَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَرْجَمَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيْهِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.