كتب الحديث
النبوي الشريف

بَاب الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ

فتح الباري شرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) كتاب الوتر الأحاديث 1001–1005

أحاديث الباب: 1001، 1002، 1003، 1004، 1005

قَوْلُهُ: (بَابُ الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ) الْقُنُوتُ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ مِنَ الْقِيَامِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَثْبَتَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَشْرُوعِيَّةَ الْقُنُوتِ إِشَارَةً إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ كَابْنِ عُمَرَ، وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِ ثُبُوتُهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُرْتَفِعٌ عَنْ دَرَجَةِ الْمُبَاحِ، قَالَ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِصُبْحٍ وَلَا غَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُقَيَّدًا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ بِالصُّبْحِ، وَأَوْرَدَهَا (١) فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ أَخْذًا مِنْ إِطْلَاقِ أَنَسٍ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، كَذَا قَالَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الرَّابِعَةِ: كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْمَغْرِبَ وِتْرُ النَّهَارِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْقُنُوتُ فِيهَا ثَبَتَ فِي وِتْرِ اللَّيْلِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْوِتْرِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ صَرِيحًا فِي الْوِتْرِ، فَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ الْحَدِيثَ. وَقَدْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (سُئِلَ أَنَسٌ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قُلْتُ لِأَنَسٍ فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ: أَوْ قَنَتَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ هَلْ قَنَتَ.

قَوْلُهُ: (قَبْلَ الرُّكُوعِ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا) قَدْ بَيَّنَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِقْدَارَ هَذَا الْيَسِيرِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: إِنَّمَا قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ، وَكَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الرُّكُوعِ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَصْرِ فِي

قَوْلِهِ: إِنَّمَا قَنَتَ شَهْرًا، أَيْ: مُتَوَالِيًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ.

قَوْلُهُ: (قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ)، فِيهِ إِثْبَاتُ مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: كَذَبَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذَا الرَّجُلِ صَرِيحًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ بِدَلِيلِ رِوَايَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّ مَفْهُومَ

قَوْلِهِ: بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ كَثِيرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَا قُنُوتَ قَبْلَهَ أَصْلًا، وَمَعْنَى

قَوْلِهِ: كَذَبَ، أَيْ: أَخْطَأَ، وَهُوَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: كَذَبَ أَيْ إِنْ كَانَ حَكَى أَنَّ الْقُنُوتَ دَائِمًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَهَذَا يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، وَيُبَيِّنُهُ

مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ فَقَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَنَتُوا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَبَعْضَهُمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ.

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ جَعَلَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ - أَيْ دَائِمًا - عُثْمَانُ، لِكَيْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ، وَقَدْ وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ: سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا عَنِ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: لَا بَلْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَمَجْمُوعُ مَا جَاءَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُنُوتَ لِلْحَاجَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا لِغَيْرِ الْحَاجَةِ فَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَكَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مِجْلَزٍ، وَالتَّيْمِيُّ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ سُلَيْمَانُ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ نَفْسِهِ، وَيُرْوَى عَنْهُ أَيْضًا بِوَاسِطَةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ."

(أبواب الاستسقاء)

(بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ وَخُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ، كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي دُونَ الْبَسْمَلَةِ، وَسَقَطَ مَا قَبْلَ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلْأَصِيلِيِ كِتَابُ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَطْ، وَثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شَبُّوَيْهِ. وَالِاسْتِسْقَاءُ لُغَةُ طَلَبِ سَقْيِ الْمَاءِ مِنَ الْغَيْرِ لِلنَّفْسِ أَوِ الْغَيْرِ، وَشَرْعًا طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ حُصُولِ الْجَدْبِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَاضِي الْمَدِينَةِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ عَبْدِ اللَّهِ لَهُ مِنْ عَبَّادٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمِّهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ.

قَوْلُهُ: (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ إِلَى الْمُصَلَّى كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ أَيْضًا فِيهِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى كَيْفِيَّةِ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ، وَزَادَ فِيهِ: وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَأَنَّهَا رَكْعَتَانِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَبْرُزُونَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَإِنْ خَطَبَ لَهُمْ فَحَسَنٌ. وَلَمْ يَعْرِفِ الصَّلَاةَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ. وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ عَنْهُ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْبُرُوزِ إِلَى ظَاهِرِ الْمِصْرِ، لَكِنْ حَكَى الْقُرْطُبِيُّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ، وَكَأَنَّهُ اشْتُبِهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ.

نص «فتح الباري» من المكتبة الشاملة عبر حزمة mishkat-data، وتقطيعه على أبواب البخاري آلي برؤوس الأبواب في الطبعة، فقد يقع فيه تقديم أو تأخير يسير.